اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-20 18:24:00
فيما تسعى سورية إلى رسم معالم مرحلة إعادة الإعمار بعد سنوات من الحرب، تتجه الأنظار إلى التجارب الدولية التي نجحت في تحويل الدمار إلى فرصة للنهوض. وفي هذا السياق جاءت الزيارة الرسمية التي قام بها وفد من الحكومة السورية إلى اليابان، تعرف خلالها على تجارب مدينتي كوبي وهيروشيما في التعافي وإعادة البناء، والاستفادة من تجاربهما في التخطيط الحضري وإدارة الكوارث والتنمية المستدامة، إضافة إلى التشريعات والمشاريع التي ساهمت في تحويلهما إلى نموذج عالمي. وتفتح هذه الزيارة الباب أمام تساؤلات حول مدى إمكانية الاستفادة من النموذج الياباني في إعادة إعمار سوريا، وما إذا كانت هذه التجربة قابلة للتطبيق على الواقع السوري. أستاذ العلوم المالية والمصرفية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، عبد الرحمن محمد، أكد لعنب بلدي أن التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية تبرز كواحدة من أبرز التجارب الإنسانية في إعادة الإعمار والتنمية. وعلى الرغم من اتساع الفجوة بين اليابان وسوريا من حيث الظروف التاريخية والبيئة السياسية والبنية الاجتماعية والإمكانات المتاحة، فإن المبادئ التي قادت اليابان على طريقها من الدمار إلى التنمية تحمل دروساً ذات طبيعة عالمية يمكن التعلم منها. وأشار محمد إلى أن أبرز الدروس العملية المستفادة من التجربة اليابانية هي كما يلي: 1. إعطاء الأولوية للبنية التحتية الذكية: لم تكتف اليابان بإعادة بناء ما تم تدميره، حيث استثمرت في إنشاء بنية تحتية حديثة ومرنة، مصممة لتكون قادرة على مواجهة الكوارث الطبيعية وخدمة التنمية الصناعية في نفس الوقت، وهذا التوجه يجسد مفهوم إعادة البناء التنموي الذي يتجاوز مجرد الترميم. 2. سياسة القاطرة أو القطاعات الدافعة: اعتمدت اليابان على تركيز مواردها المحدودة في عدد من القطاعات الإستراتيجية القادرة على دفع النمو الاقتصادي. بدأت بصناعات الحديد والصلب، ثم انتقلت إلى صناعة الإلكترونيات وصناعة السيارات. وساهم هذا التوجه في خلق تأثيرات إيجابية امتدت إلى بقية قطاعات الاقتصاد. 3. بناء شراكة ثلاثية مشتركة: اعتمدت التجربة اليابانية على التناغم المؤسسي بين ثلاثة أطراف رئيسية: جهة حكومية مسؤولة عن التخطيط ووضع السياسات، وقطاع خاص مسؤول عن التنفيذ والإنتاج، ومؤسسات مالية توفر التمويل اللازم للاستثمار. ويشكل هذا التكامل بين التخطيط والتنفيذ والتمويل أحد أهم مكونات النجاح. وبحسب محمد، لا يمكن نقل التجربة اليابانية إلى سوريا بشكل حرفي. بل يجب تفكيك النموذج الياباني وإعادة تجميعه بما يتناسب مع الواقع السوري. من ناحية أخرى، تواجه سوريا تحديات مختلفة، تتمثل في تنوعها الاجتماعي والثقافي، والانقسامات التي خلفها الصراع، بالإضافة إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي، وعدم وجود محرك خارجي يضمن الأمن والاستثمار، وتداخل مصالح عدد من الجهات الدولية. فرص التطبيق وتحديات الواقع: أما الجوانب التي يمكن تطبيقها في سوريا، فقد أشار الخبير الاقتصادي إلى إمكانية الاستفادة من عدد من عناصر التجربة اليابانية في سوريا، على أن يتم تعديلها وتكييفها لتتناسب مع الظروف المحلية: فلسفة “المونوزوكوري” (البراعة في التصنيع): يمكن استثمار التراث الحرفي والصناعي السوري في مدن مثل حلب وحمص، وتحويله إلى صناعات صغيرة ومتوسطة عالية الجودة موجهة للتصدير. التعليم كمحرك لإعادة الإعمار: يعد النموذج الياباني لربط التعليم الفني والمهني باحتياجات سوق العمل أحد الجوانب التي يمكن الاستفادة منها بشكل أكبر. ومن شأن تطوير برامج التدريب المهني والتقني أن يسهم في تأهيل الموارد البشرية وسد الفجوة في المهارات. اللامركزية: يمكن الاستفادة من التجربة اليابانية في تمكين المحافظات اقتصادياً، على أن يتم ذلك ضمن إطار وطني يضمن التوزيع العادل للموارد. وفي سياق متصل، أفاد محمد أن هناك العديد من الجوانب التي يصعب تنفيذها في سوريا، وهي: النموذج المؤسسي لوزارة التجارة الدولية والصناعة اليابانية: اعتمد هذا الدور على بيروقراطية نخبوية غير فاسدة ومنضبطة بشكل شبه عسكري. وفي الحالة السورية، فإن التحديات المرتبطة بضعف الكفاءة المؤسسية، وتوسع الجهاز الإداري، ووجود ممارسات فاسدة، تجعل تكرار هذا النموذج بشكل مباشر غير واقعي، بل وربما يؤدي إلى تعقيد الإدارة بدلاً من تحسينها. حاضنة مجتمع متماسك: إعادة إعمار اليابان كانت مبنية على مجتمع متماسك وروح التضحية الجماعية. واستعادة ذلك في سوريا تتطلب مصالحة وطنية حقيقية لم تتبلور بعد. المكونات الاقتصادية لنجاح التجربة اليابانية أشار محمد إلى أن أبرز المكونات الاقتصادية التي جعلت تجربة اليابان ناجحة في إعادة الإعمار هي رأس المال البشري الجاهز، حيث خرجت اليابان من الحرب بجيش ضخم من المهندسين والفنيين العاطلين عن العمل، الذين تم استيعابهم على الفور في عملية البناء. كما أشار محمد إلى وجود حاضنة مؤسسية وجهاز دولة بيروقراطي قوي ومتماسك وعالي الكفاءة، بالإضافة إلى سياسة حكومية لتحويل الدخل إلى استثمار بدلا من الاستهلاك، من خلال حزمة من الحوافز المصرفية. وختم محمد بالقول إن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في تقليد مصانع تويوتا أو قطارات الشينكانسن، بل في فهم قدرة الأمة على تحويل الذل العسكري إلى مجد اقتصادي من خلال نظام القيم الذي ركز على العلم والإتقان والثقة في المؤسسات العامة. وأضاف أن التحدي السوري يتمثل في إعادة بناء رأس المال الاجتماعي المجزأ وإرساء عقد سياسي اقتصادي جديد يضمن ألا تكون إعادة الإعمار مجرد إعادة إنتاج لدوامة الصراع والعنف، بل مشروع وطني يحول طاقة الدمار إلى طاقة بناء مستدام. ورغم أنه لا يمكن اعتماد التجربة اليابانية كنموذج جاهز للتنفيذ، إلا أنها تقدم مجموعة من الدروس التي يمكن أن تساهم في تشكيل ملامح إعادة الإعمار في سوريا. كما تشير التجربة اليابانية إلى أن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية إعادة بناء ما تم تدميره، بل هي مشروع اقتصادي متكامل يقوم على بناء مؤسسات فعالة وتنمية رأس المال البشري وتحفيز الاستثمار وتوجيه الموارد والإمكانات نحو المشاريع طويلة المدى. ورغم التشابه في حجم الدمار والحاجة إلى إعادة البناء، إلا أن نقطة البداية تختلف بين التجربتين اليابانية والسورية. فقد بدأت اليابان مرحلة إعادة الإعمار ضمن دولة مستقرة مؤسسياً تمتلك رأس مال بشري مؤهل، في حين تواجه سوريا التحدي المتمثل في إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والثقة المجتمعية بالتوازي مع إعادة بناء المدن والبنية التحتية. وفي حين تمثل زيارة الوفد السوري إلى اليابان خطوة للتعرف على هذه التجربة عن كثب والاستفادة من خبراتها، فإن نجاح أي مسار لإعادة الإعمار سيظل مرهونا بقدرة سوريا على تكييف هذه الدروس مع خصوصية واقعها المحلي، وتحويلها إلى سياسات تنموية تستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها سنوات الحرب. متعلق ب




