اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-11 00:19:00
وعندما نعود إلى سلسلة المواجهات غير المتكافئة التي خاضتها الدول على مر العصور، نجد مشاهد متكررة لحسم تلك المواجهات لمصلحة الدول والجماعات الأقوى كدولة طبيعية، باستثناء بعض الحالات التي لا تخلو من عون إلهي، ومن تلك الحالات التي شهدناها في عصرنا الحاضر هزيمة إسرائيل أمام حزب الله عامي 2000 و2006، وفشل أمريكا في تنز في تحرير موظفيها في طهران، والذي انتهى بالفشل الذريع، وعملية الإنزال لضبط اليورانيوم المخصب في أصفهان، والتي تحولت إلى كمين مدمر، حيث اتحدت قوى الطبيعة وقوى الغيب وقوى الإيمان للوقوف في وجه الآلة الأمريكية المدمرة وتم تدميرها بالكامل، والفشل الذريع الذي حل بأمريكا نتيجة إعلانها مشروع الحرية لفتح مضيق هرمز الذي انقلب عليه وأثر فيه، مما جعل أحلام ترامب تتبخر في الهواء دون تحقيق أي هدف استراتيجي. إن سلسلة الإخفاقات هذه التي منيت بها قوى الاستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكن مجرد مصادفة أو حظ سيئ، بل كشفت عن حقيقة أعمق: أن التفوق المادي الهائل لا يكفي لتحقيق النصر عندما يصطدم بثلاثي مترابط العقيدة والصمود والاستعداد، وهذا الثلاثي هو ما نراه عمليا اليوم في تراجع حدة التهديدات الأمريكية. ولكي نفهم هذه الظاهرة بشكل موضوعي، علينا أن ننطلق من أن الإيمان ليس مجرد شعارات ترفع في المهرجانات، بل هو منظومة من القيم الراسخة التي تغير علاقة الإنسان بالحياة والموت. فعندما تعتقد جماعة بشرية أن هناك ما يستحق التضحية، وأن الاستسلام والعبودية لغير الله أسوأ من الموت، فإن ثلاثية الإيمان والصمود والاستعداد تخرج عن كل المعادلات العسكرية التقليدية. ففي الوقت الذي تخطط فيه الدول العظمى استراتيجياتها على افتراض أن الخصم (عقلاني)، أي أنه يخشى الخسائر المادية والبشرية، ولكن عندما تواجه خصماً يرى في الشهادة مكسباً والاستسلام خسارة أبدية، فإن كل أدوات الردع التقليدية تتحول إلى ألاعيب لا معنى لها. وهذا بالضبط ما حدث في إنزال تنز وأصفهان، حيث خطط العدو لعمليات خاطفة ظناً منه أن القصف الجوي سيكسر الإرادة، لكنه فوجئ بقوات مستعدة للموت في مواقعها، وحتى بجماهير تحتضن تلك المواقع وتجعل احتلالها مستحيلاً. وهنا لعبت العقيدة دور السلاح الخفي، فهي التي جعلت الجندي يقف في مكانه رغم التفوق الجوي، وهي التي حولت الهزيمة المتوقعة إلى نصر واضح. ورغم تأثير الإيمان في بناء الإنسان وتكامله، إلا أن الإيمان وحده لا يكفي، لأن النصر يتطلب عنصرا ثانيا وهو الصمود، أي القدرة على تحويل الضغط إلى زخم والوقت إلى سلاح ضد العدو. الصمود هنا ليس صبراً سلبياً، بل طاقة مقاومة إيجابية تظهر بأشكال متعددة: الجماهير التي ترفض التفرق رغم الحصار ورغم توقع الموت، والقيادة التي تشارك شعبها التضحيات ولا تستغل الثروة الوطنية لتحقيق مكاسب شخصية، والمجتمع الذي يحول كل حصار إلى فرصة لبناء بدائل محلية. وفي الحالة الإيرانية، كشفت الكاميرات حقيقة لافتة، وهي أن القادة يعيشون في منازل متواضعة ويضعون أنفسهم في مقدمة المخاطر، مما خلق حالة نادرة من الترابط بين الشعب والقيادة، وهذا الصدق في التعامل مع الجماهير، وعدم استغلال الثروات الوطنية. ومن أجل المصالح الشخصية، هذا ما جعل الشعب يتحول إلى جيش احتياطي جاهز لتحمل أي عقوبات أو حروب. وعندما يرى العدو أن المجتمع بأكمله أصبح سدا منيعا، فإن كل التهديدات بالقصف والتدمير تفقد فعاليتها، لأن القصف قد يهدم الحجارة لكنه لا يهدم الإرادة المتماسكة. وهذا الصمود لمحور المقاومة، نرى ثماره اليوم في تراجع ترامب عن تهديداته؛ كان القصف الكلامي والعقوبات الاقتصادية التي راهن عليها البيت الأبيض يفترض أن الشعب سينهار ويضغط على قيادته للاستسلام، لكن ما حدث كان العكس تماما، حيث تحول الضغط إلى تماسك أكبر، مما اضطر الإدارة الأميركية إلى البحث عن مخارج تفاوضية بدلا من المغامرة العسكرية التي كان مصيرها الفشل حتما. العنصر الثالث والأهم في هذه المعادلة هو الاستعداد المادي، لأن العقيدة والصمود، رغم قوتهما، يحتاجان إلى ترجمة عملية على شكل قوة ردع حقيقية تمنع العدو من التفكير في الهجوم مطلقاً. وهنا نصل إلى جوهر ما حدث في مضيق هرمز، حيث تحولت التهديدات الأميركية بفتح المضيق بالقوة إلى كابوس استراتيجي جعل البنتاغون يعيد حساباته ألف مرة. ولم يكن الاستعداد مجرد تجميع الأسلحة، بل بناء نظام ردع غير متماثل يراهن على نقاط ضعف العدو بدلا من مجاراة نقاط قوته. وبدلا من بناء أسطول بحري لمواجهة الأسطول الأميركي، كان التركيز على الصواريخ الدقيقة المضادة للسفن، والغواصات الصغيرة التي لا تظهر على الرادار، والألغام البحرية الذكية، والطائرات بدون طيار الرخيصة القادرة على إلحاق خسائر فادحة. ولم يكن الهدف من هذا النظام خوض معركة كلاسيكية مع حاملات الطائرات الأمريكية الفتاكة، بل جعل تكلفة أي مغامرة في المضيق تفوق كل الفوائد الممكنة. لقد اعتادت العقلية العسكرية الأميركية على استسلام المعارضين بعد ضربتين جويتين، لكنها في هرمز واجهت خصماً قال بصراحة: قد لا أستطيع منعك من دخول المضيق، لكني أستطيع أن أجعل دخولك أشبه بالجحيم. هذا الإعداد المادي المقترن بالعقيدة والصمود، هو ما جعل ترامب الذي كان يهدد بـ«حرائق لم يشهدها أحد من قبل وطمس حضارة عمرها آلاف السنين»، يتراجع علناً إلى لغة المفاوضات والتفاهمات غير المباشرة. ما نراه اليوم تراجعا واضحا في اللهجة الأميركية، وهو ليس حسن نية من جانب الإدارة الجديدة، بل هو اعتراف ضمني بحقيقة مؤلمة بالنسبة للقوى الكبرى، وهي أن النصر العسكري لم يعد يقتصر على من يملك أحدث الطائرات، بل أصبح حليفا لمن يملك ثلاثية العقيدة والصمود والاستعداد. لم يكن فشل الإنزال في تنز وأصفهان فشلا تكتيكيا عابرا، بل كان إعلانا عن ولادة معادلة جديدة في فن الحرب، معادلة تقول إن الأرض تحرسها العقيدة والصمود والاستعداد معا، وإن الشعوب التي تثق بقيادتها وتقودها قيادة تثق بها قادرة على تحويل أعتى آلة حرب إلى سراب يتبدد في الرمال، والاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة تنطبق على كل أمة تريد ردع الطغيان: أولاً، إن العقيدة الصادقة التي تجعل الإنسان لا يخشى الموت هي السلاح الأكثر فعالية ضد آلة الحرب التي تخشى الخسائر. ثانياً، أن الصمود الجماعي والصدق بين القيادة والقواعد هو ما يحول الحصار إلى قوة والضغط إلى حصانة بعشرة أضعاف ترسانة العدو، ويمكن أن يخلق معادلة ردع رهيبة إذا ركز على نقاط ضعف الخصم بدلاً من ملاحقته في منطقة تفوقه. وفي ختام هذا الكلام نجد أن كل هذه المعطيات تؤكد حقيقة عالمية أشار إليها الله في محكم كتابه الكريم (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) و(كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله).




