اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-25 13:57:00
بدا خطاب نتنياهو الأخير مختلفا في لهجته واتساع نطاقه. ولم يتحدث عن غزة وحدها، بل تنقل بين إيران وسوريا ولبنان وتركيا والولايات المتحدة، وكأنه يرسم خريطة المواجهة المفتوحة مع الجميع. وتحدث بلغة المنتصر بلا قيود، وأكد أن إسرائيل قادرة على فرض إرادتها حتى لو تعارض ذلك مع رغبات حلفائها، في مشهد يعكس قدرا كبيرا من الغطرسة السياسية والعسكرية. في السياسة، فإن اللحظات التي يصل فيها القادة إلى أعلى مستوياتهم من الثقة الظاهرة هي في كثير من الأحيان اللحظات التي يشعرون فيها بأنهم الأكثر عرضة للخطر. والتاريخ حافل بأمثلة قادة لجأوا إلى التصعيد الخارجي عندما سئموا الأزمات الداخلية. عندما يشعر السياسي أن مستقبله الشخصي أو منصبه القيادي مهدد، فإنه يصبح أكثر استعدادا لتحمل المخاطر واتخاذ قرارات لم يكن ليتخذها في الظروف العادية. ويدرك نتنياهو أن الحرب الطويلة في غزة لم تحقق كل الأهداف التي أعلنها في بدايتها. كما يدرك أن المشهد الإقليمي تغير بشكل كبير، وأن صورة الردع الإسرائيلي خضعت لاختبارات غير مسبوقة. ولهذا يبدو أن الرجل يسعى باستمرار إلى إثبات أن المبادرة لا تزال في يديه، وأن إسرائيل لا تزال قادرة على الانتقال من جبهة إلى أخرى ومن مواجهة إلى أخرى. ولعل أكثر ما لفت الانتباه في خطابه الأخير هو أنه لم يتحدث عن غزة كمنطقة منكوبة تحتاج إلى إعادة إعمار أو معالجة آثار الحرب. بل تحدث بلغة المنتصر الذي يريد أن يفرض رؤيته بالقوة، مهما كانت النتائج. وأشار إلى إعطاء أوامر تتعلق بمشاريع ومنشآت في محيط غزة، وتحدث بلهجة أوحت بأن مستقبل القطاع سيتحدد وفق الإرادة الإسرائيلية وحدها. بل وذهب إلى حد إطلاق تصريحات صادمة مفادها أنه «لن يبقى شيء في غزة»، وأن هذه الرسالة موجهة أيضاً إلى الوسطاء. وهنا تنكشف الطبيعة الحقيقية للأزمة. ولم يعد الأمر مجرد حرب أو مواجهة عسكرية، بل أصبح تعبيراً عن عقلية سياسية تؤمن بأن القوة تمنح صاحبها الحق في تجاوز كل شيء. الأرض والناس والاتفاقيات والوعود. لذلك، على الوسطاء الذين راهنوا مراراً وتكراراً على التفاهمات والضمانات، أن يتذكروا أنهم يتعاملون مع رجل أثبتت تجربته المتكررة أنه لا يتردد في نقض العهود كلما رأى في ذلك مصلحة سياسية أو شخصية. كثيرون أسلموا رقاب أهل غزة للمسار التفاوضي الذي كان من المفترض أن يوقف المأساة أو يخففها، لكن خطاب نتنياهو الأخير جاء ليقول شيئاً مختلفاً تماماً. لقد جاء ليقول إن الحرب لم تفارق ذهنه، وأن لغة التهديد لا تزال حاضرة، وأنه لا يزال يتصرف بعقلية من يعتقد أن المزيد من القوة ستمنحه مكاسب أكبر. وهنا يظهر معنى “العلو الكبير”. عندما يصل الزعيم إلى مرحلة يعتقد فيها أنه قادر على تحدي الجميع، وأنه قادر على فرض إرادته على المنطقة بأكملها، وأن الاتفاقيات مجرد أوراق مؤقتة يمكن تمزيقها عند الحاجة، فهو قد وصل إلى قمة الغطرسة السياسية. ويعلمنا التاريخ أن لحظات التمجيد هذه غالبا ما تكون مقدمة لتحولات كبرى، لأن أصحابها يتوقفون عن رؤية حدود السلطة وحدود الواقع. الحديث عن البقاء في لبنان، والترهيب المستمر لإيران، والإشارات المتزايدة إلى سوريا، كلها تشير إلى أن نتنياهو لا يرى أن المنطقة دخلت مرحلة هدوء، بل ما زالت ساحة مفتوحة لإعادة رسم موازين القوى. وهنا تبرز سوريا كواحدة من أكثر الساحات حساسية، لأن أي تصعيد واسع هناك لن يبقى محصوراً داخل حدودها، بل قد يمتد إلى أطراف إقليمية أخرى لها مصالح ونفوذ مباشر على الأراضي السورية. ومن بين هذه الأحزاب، تبرز تركيا كلاعب رئيسي لا يمكن تجاهله. إن التداخل الجغرافي والعسكري والسياسي في الملف السوري يجعل أي تغيير كبير في المعادلة السورية خاضعا لرقابة دقيقة من قبل أنقرة. ولهذا يرى بعض المراقبين أن أي توسع للمواجهة داخل سوريا قد يفتح الباب أمام احتكاكات إقليمية جديدة لم تكن مطروحة على الطاولة منذ سنوات. وما يلفت النظر أيضاً هو أن نتنياهو تحدث بلغة أقرب إلى لغة «العلو الكبير»، وهي الحالة التي يتصور فيها بعض القادة أن القوة التي بين أيديهم قادرة على تجاوز كل الحدود والقيود. ولكن التجربة التاريخية تشير إلى أن لحظات الغطرسة السياسية كثيراً ما تكون نذيراً لارتكاب أخطاء جسيمة، وذلك لأنهم يتوقفون عن رؤية المخاطر الحقيقية المحيطة بهم. لا يمكن لأحد أن يجزم بما ستشهده المنطقة خلال المرحلة المقبلة، لكن المؤكد أن الخطاب الأخير لم يكن خطاب رجل يستعد لإغلاق الملفات، بل خطاب رجل يوحي بأنه لا يزال يبحث عن معارك جديدة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إلى أين يريد نتنياهو أن يذهب، بل إلى أي مدى يمكن أن تتحمل المنطقة تبعات مغامرات جديدة إذا قرر السير في هذا الطريق. يعلمنا التاريخ أن الارتفاع الكبير قد يمنح صاحبه شعوراً مؤقتاً بالقوة، لكنه لا يمنحه حصانة من السقوط، وأن اللحظات التي يرتفع فيها الصوت إلى أعلى مستوياته قد تكون أحياناً مؤشراً على أن صاحب الصوت يشعر داخل نفسه بأن الأرض تحته لم تعد مستقرة كما كانت من قبل.



