اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-14 00:00:00
من الصعب تفسير الشخصيات الاستثنائية بالإنجازات وحدها؛ قد يكون الإنجاز نتيجة لظروف تاريخية أو اقتصادية مواتية، ولكن ما يجعل القائد مختلفًا حقًا هو الرؤية التي يحملها للإنسان والتاريخ والدولة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني – رحمه الله – ورحمه الله. ولم ينظر إلى التراث باعتباره كتلة جامدة ينبغي الحفاظ عليها كما هي، ولا باعتباره عبئا يجب إزالته باسم الحداثة. بل تعامل معها كذخر ثقافي تم الحفاظ عليه إلى حد أنه أعطى قوة للحاضر، وأعيد تفسيره إلى الحد الذي فتح فيه الأبواب للمستقبل. لذلك، لم يكن مشروعه صراعاً بين الأصالة والحداثة، بل كان محاولة لإقامة مصالحة إبداعية بينهما. والدولة في تصوره لا تبنى بالمباني وحدها، بل ببناء الإنسان. إن الاستثمار في التعليم والثقافة والإعلام والبحث العلمي لم يكن مجرد سياسة عامة، بل كان تعبيرا عن الإيمان بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الحرية ليست خصما للدولة، بل هي أحد شروط قوتها واستمراريتها. ولهذا ارتبط مشروعه بفكرة أن الدولة الحديثة يمكن أن تكون قوية ومنفتحة في الوقت نفسه. لكن ما يلفت النظر في شخصيته -في رأيي- ليس هذا الأفق الفكري فحسب، بل البعد الإنساني الذي ظل حاضرا رغم أعباء الحكم. كان يتذكر أسماء أصدقاء الأمس، ويسأل عنهم، ويطلب مقابلتهم بعد أن شغلته مسؤوليات الدولة سنوات طويلة. ولم يعتبر العلاقات الإنسانية تفصيلا هامشيا، بل جزءا من معنى الولاء. وكان يحرص على مشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم، وكأن السلطات لم تنجح في إقامة الحواجز التي كثيراً ما تفرضها المواقف بين الحاكم والشعب. ولعل هذا يفسر أيضاً قدرته على الجمع بين انتمائه العربي ورؤيته الحداثية. فهو لم ينظر إلى العروبة على أنها مجرد خطاب عاطفي، بل باعتبارها إطارا حضاريا يتطلب مشروعا نهضويا معاصرا. ورأى أن الحفاظ على الهوية لا يتم بالعزلة، بل بالتفاعل مع العالم وامتلاك أدوات العصر. أذكر موقفًا شخصيًا لا يزال حاضرًا في ذاكرتي. حدثني ذات مرة عن زيارة قام بها مع رئيس إندونيسيا – ولا أتذكر أين بالضبط – وأعتقد أنها كانت أثناء زيارته لقطر في سنوات مضت، وأمام صورة أو تمثال للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أشار إليه وقال بالإنجليزية: “الفوضى”، ثم أضاف بالأثر: لو كان عبد الناصر حاضرا، لما وصلت المنطقة إلى هذه الدرجة من الفوضى. ولم يكن هذا التصريح، كما فهمت، دفاعا عن كل سياسات عبد الناصر، بقدر ما كان تعبيرا عن القناعة بأن المنطقة العربية فقدت، في مراحل عديدة، القيادة القادرة على استجماع إرادتها وتوجيه طاقاتها. وربما هنا يكمن سر اختلاف الأمير الأب. لقد نظر إلى التاريخ باعتباره احتمالًا مفتوحًا وليس قدرًا مغلقًا، والتراث كمادة للتجديد وليس تقييدًا للمستقبل، والحرية كشرط لازدهار الإنسان وليس تهديدًا للدولة. ولهذا لم يكن مشروعه مجرد إدارة ناجحة للحكم، بل كان محاولة لصياغة نموذج عربي يجمع بين الهوية والحداثة، والوطنية والانفتاح، والولاء للماضي والاستعداد للمستقبل. عادة ما يتم تذكر القادة بالمؤسسات التي بنوها، ولكن يتم تذكر بعضهم أيضًا بالطريقة التي فهموا بها الناس. ولعل هذا هو أقل ما يتم الحديث عنه في شخصية الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأكثر ما يبقى في ذاكرة من عرفه عن قرب.




