اخبار قطر اليوم – وطن نيوز
اخر اخبار قطر – اخبار قطر العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-24 00:00:00
(إن هذا هو الضر المبين) وهكذا تيقن إبراهيم عليه السلام أنه أمر إلهي بعد تكرار الرؤيا بذبح ابنه. لا شك أنه اختبار صعب، وما أصعبه! إنه أصعب اختبار يمكن أن يواجهه الإنسان في هذا العالم. إن الله تعالى حرم قتل النفس، فكيف يطلب ذبح طفل بريء؟! ولو كان المطلوب هو روح إبراهيم نفسه، لكان قد أعطاها بطاعة ورضا، لكن الأمر هنا يتعلق بروح ابنه الوحيد، الذي حصل عليه بعد طول انتظار وانتظار مرير وهو في سن المائة تقريبًا. ومع استمرار الرؤى، أظهر إبراهيم، بقلب مملوء بالخضوع الكامل لله، أنه لن يتردد في التضحية بأكثر ما يحبه من أجل الله. فإذا خير بين ابنه وبين أمر ربه أعرض عن ابنه ليتقرب إلى الله. ألا تواجه حياة العبد المؤمن هذا الاختيار دائمًا؟ نعيش أحيانًا تجربة الإيمان دون أن نقدم أي تضحية أو نضحي بالكثير من المتعة الدنيوية التي ملأنا بها حياتنا وأبعدتنا عن الله الذي وهبنا إياها. كل عام ونحن نعيش مع الحبيب إبراهيم عليه السلام واقع أن هناك تضحية ناقصة في حياتنا. لقد أظهر إبراهيم خضوعه الكامل لله، وكذلك فعل الابن “الوحيد” الذي أُمر بتقديمه كذبيحة. وأخبر والده الذي أخبره برؤيته أنه لن يتردد في بذل حياته، ونصحه ألا يتردد في فعل ما أُمر به. وهكذا انطبع هذا التسليم العظيم لله في الإنسانية باعتباره أعمق تجلٍ يجسد معنى الإسلام. لكن هذا الاستسلام من قبل الأب والابن لم يسلم من إغراءات ووساوس الشيطان منذ لحظة خروج الخليل وابنه إلى مكان الذبح. وكان ذروة الهمس في المكان المعروف الآن بالعقبة. وكانت تلك الرحلة مثالاً حياً لكل رحلات البلاء التي يعيشها الإنسان على هذه الأرض. يأتي الشيطان من اليمين واليسار، من الأمام والخلف، فيوسوس من حيث نعلم ومن لا نعلم، ويحاول زعزعة حالة الاستسلام وإضعافها، لكي يدفع صاحبه إلى التراجع. وكان يحاول أن يزرع الشك في قلب إبراهيم فيما عزم على فعله. والغريب أنه كثيرا ما حاول إقناعه بتغيير رأيه من خلال كلمات تبدو حقيقية، مثل إخباره أن ما رآه كان مجرد حلم، وأن الله لا يمكن أن يطلب قتل إنسان، ناهيك عن قتل ابنه، وأن قتل طفل بريء كان خطيئة عظيمة. في تلك اللحظة، كان كل ما قاله الشيطان يعتبر صحيحًا في الظروف العادية. لكن في هذا الاختبار الخاص جدًا والضيقة الاستثنائية لإبراهيم، كانت الكلمات هي التي يجب التغاضي عنها والتغاضي عنها. الله هو الذي أقام الحكم، والله هو الذي أمر بهذا الآن. الطريق إلى العقبة طريق صعب يجب أن يجتازه كل من يريد أن يعيش المعنى الحقيقي للتضحية. وحتى اليوم ما زلنا نسير على هذا الطريق في كل اختياراتنا، ونتعرض لوساوس شياطين الإنس والجن، الوساوس التي تشغلنا عن لحوم الأضحية من باب التقوى، وعندما ندرك تماما أن ما يصل إلى الله ليس لحما بل تقوى، يأتي الشيطان من زاوية أخرى ليقنعنا أنه لا داعي إذن لذبح الأضحية. ومن الطبيعي أن يتأثر كثير من الناس بهذا الوسواس، حيث أن الله قد ذكر في القرآن الكريم أن الهدف ليس لحوم الأضاحي بل التقوى، فلماذا الذبح أصلا؟ ومن وقع في هذه الفتنة فقد وقع أيضاً في وهم الكمال في مقام التقوى. يرى نفسه صاحب قلب نقي ولا أحد أفضل منه. ويذهب بعضهم إلى القول: إذا كان الهدف إطعام الفقراء فلماذا لا نشتري اللحم من الجزار ونوزعه؟ ألا يحقق هذا نفس الهدف؟ وهذه حجة قوية لمن يريد التخلي عن الأضحية. بل يمكن أن يقال أيضاً: إذا كان القصد مساعدة الفقراء، فيمكن أن يكون ذلك بطرق أصح وأكثر تحضراً من الذبح والدم. فلنعطي الفقير طعاما أو كسوة، ونساعده في حاجاته الضرورية، ونشتري دوائه، ونسدد دينه، ولنعتبر ذلك قربانا. وهذه كلها تكتيكات شيطانية في طريق العقبة، وهناك طرق عديدة للتخلي عن الأضحية. لقد صدقت الرؤيا فلا تحزن.. يا إبراهيم فديناه. فالله هو الذي يمد الإنسان بالتضحيات التي يقدمها ويساعده على النجاح في الاختبار. وفي نهاية القصة ذكر القرآن الكريم فداء الله لإسماعيل بذبيحة عظيمة. والحقيقة أن إسماعيل لم يكن من إبراهيم، ولم يكن يملك نفسه. حتى الكبش الذي فدى، كله لله. لا يمكن لأحد أن يضاهي الرحمة التي أرادها الله الذي أمر بالذبح. ولهذا كان هو سبحانه هو الذي دفع وفدى إسماعيل بالكبش، وأدرك إبراهيم ذلك. وعندما جاء وقت الفداء، كان إبراهيم قد قدم إسماعيل ذبيحة بالفعل، أي امتثل لأمر ربه واستسلم لحكمه، فعرف ربه، وعرف نفسه، وعرف إسماعيل. الأكاديمي والسياسي والكاتب التركي @yaktay




