موريتانيا – فالمسألة ليست في الشعار، بل في هيكل التكلفة

أخبار موريتانيا25 يونيو 2026آخر تحديث :
موريتانيا – فالمسألة ليست في الشعار، بل في هيكل التكلفة

اخبار موريتانيا – وطن نيوز

اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-25 19:58:00

إن الجدل حول أسعار الأسمنت في موريتانيا هو جدل مشروع ومفهوم، لأن الأسمنت مادة أساسية في البناء ويؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين. لكن هذا النقاش يجب أن يجري بمنطق اقتصادي وفني، وليس بمنطق شعبوي يختزل المسألة إلى مقارنة سطحية بين سعر في بلد وسعر في بلد آخر. ولا يجوز لنا أن نطالب بالتصنيع والمحتوى المحلي وتشجيع الاستثمار الوطني في وقت واحد، ثم تحويل كل مشروع صناعي محلي إلى هدف لحملة عامة كلما ظهرت مقارنة غير مكتملة مع سوق أجنبية تختلف جذرياً من حيث الإنتاج والضرائب والطاقة والخدمات اللوجستية. فالمقارنة مع الجزائر، على سبيل المثال، ليست مقارنة معيارية عادلة. الجزائر دولة منتجة للكلنكر، ولها قاعدة صناعية واسعة، وسوق داخلية كبيرة، وفائض قابل للتصدير، وتكاليف طاقة متفاوتة. ولذلك فإن أخذ السعر الجزائري وتقديمه كمرجع مباشر لموريتانيا يؤدي إلى نتيجة مضللة، لأنه يتجاهل أن موريتانيا لا تنتج الكلنكر محليا بنفس الشروط، بل تستورده بالدولار وتبني عليه تكلفة الإنتاج بأكملها. وأقرب مقارنة فنية هي مع دول غرب أفريقيا التي تعتمد، مثل موريتانيا، على استيراد الكلنكر، مثل ساحل العاج. لكن هذه المقارنة، إذا قرأناها بعناية، لا تضعف مكانة الصناعة المحلية في موريتانيا، بل تعززها. وتعد ساحل العاج سوقا أكبر بكثير من موريتانيا، حيث حجم الطلب أعلى، وقاعدة صناعية أوسع، وميناء أبيدجان قادر على استقبال شحنات ضخمة من الكلنكر قد تصل إلى 100 ألف طن. إلا أن السعر الرسمي في أبيدجان ليس بعيداً عن السعر في موريتانيا، بل إنه أعلى منه في بعض المستويات. وفقا للقرار الإيفواري الرسمي الذي يحدد أسعار الأسمنت، فإن سعر طن الأسمنت 42.5N في أبيدجان هو: – 78.000 فرنك أفريقي: سعر تسليم المصنع؛ – 83.000 فرنك أفريقي: سعر التسليم؛ – 85.000 فرنك أفريقي: سعر الجملة؛ – 90.000 فرنك أفريقي: سعر التجزئة، أي حوالي 78.000 فرنك أفريقي، أي ما يعادل حوالي 5.460 أوقية جديدة للطن، وهو مستوى قريب جدًا من سعر الخروج في نواكشوط مقابل 42.5 أوقية جديدة للأسمنت، أي حوالي 5.500 أوقية جديدة للطن. كما أن 85 ألف فرنك أفريقي تعادل حوالي 5950 أوقية جديدة للطن، و90 ألف فرنك أفريقي تعادل حوالي 6300 أوقية جديدة للطن. أي أن سعر الأسمنت في موريتانيا ليس شذوذا إقليميا كما يصوره البعض، بل هو قريب من سعر مغادرة المصنع في أبيدجان، وأقل من سعر الجملة والتجزئة هناك، على الرغم من أن ساحل العاج تستفيد من سوق أكبر، وميناء أقوى، وكميات واردات أكبر، ورسوم أخف على الكلنكر. وهنا تبرز المسألة الأساسية: تعمل ساحل العاج ضمن نظام CEDEAO، حيث يبلغ العبء على الكلنكر حوالي 12.5%، في حين تتحمل موريتانيا عبئا جمركيا وضريبيا على الكلنكر يبلغ حوالي 25%. كيف نطلب من مصنع موريتاني أن ينتج بنفس تكلفة مصنع يعمل في سوق أكبر، بميناء أقوى، وبعبء ضريبي أخف على المادة الأساسية؟ وفي صناعة الأسمنت، لا يحدث الفارق بسعر البيع وحده، بل بسلسلة كاملة من العوامل: الكلنكر، والشحن البحري، وحجم السفينة، والتفريغ، والانتظار في الميناء، والطاقة، والحقائب، والصيانة، والرواتب، والتمويل المصرفي، والضرائب. وينعكس كل عنصر من هذه العناصر بشكل مباشر على تكلفة الطن قبل وصوله إلى المستهلك. أما الحديث عن جودة الأسمنت الموريتاني، فالحديث هنا أيضا يجب أن يكون تقنيا وليس انطباعيا. لا تقاس جودة الأسمنت بمنشور على الفيسبوك، بل بمطابقته الفنية والتجارب المخبرية واستخدامه في المشاريع الكبرى واستمرارية المنشآت مع مرور الوقت. وقد تم استخدام الأسمنت المنتج في موريتانيا في المشاريع الكبرى والبنية التحتية، بما في ذلك ميناء نواكشوط، ومطار أم التونسي، والمرافق الصناعية والمعدنية الكبرى، والمشاريع المرتبطة بمؤسسات مثل كينروس تازيازت، ومشروع MCM، وSNIM. ولم يكن إنجاز هذه المشاريع مشروطاً باستيراد الأسمنت الجاهز من الخارج. وميناء نواكشوط نفسه موجود منذ ما يقرب من أربعين عاما، ولا تزال بنيته التحتية دليلا على أن المشكلة ليست في قدرة الأسمنت المحلي على الدخول في المشاريع الكبرى، بل في ضرورة احترام المواصفات الفنية والرقابة الهندسية في كل مشروع. ولو كانت المشكلة هيكلية في نوعية الإسمنت الوطني، لما تم استخدامه في منشآت استراتيجية بهذا الحجم، ولما كان جزء كبير منه قد استمر لعقود في ظروف بحرية ومناخية صعبة. وهنا يجب أن نفرق بين المصنع والتاجر. يمكن للتاجر استيراد كمية محدودة عندما تكون ظروف السوق مناسبة، وتحقيق هامش سريع، ثم الخروج من السوق إذا تغيرت الأسعار أو زادت تكلفة الشحن. أما المصنع فهو التزام طويل الأمد: العمال، والآلات، والصيانة، والضرائب، والمخزون، والتمويل، والمسؤولية الاجتماعية، والإمداد المنتظم للسوق في فترات الازدهار والركود. ولذلك لا يجوز قياس الصناعة الوطنية بمنطق الأرباح التجارية القصيرة. ولا يعمل المصنع كوسيط يبحث عن فرصة مؤقتة، بل كهيكل إنتاجي يتحمل مخاطر مستمرة ويخلق قيمة داخل الدولة. وقد تبدو الواردات الجاهزة أقل تكلفة في لحظة معينة، ولكنها لا تعمل على بناء القدرة الصناعية، ولا تضمن استمرارية العرض، ولا تقدم نفس التأثير على تشغيل العمالة، والضرائب، والخدمات المحلية. إضافة إلى ذلك، تتحمل المصانع في موريتانيا تكاليف تمويل عالية داخل الجهاز المصرفي. تحتاج الصناعة إلى تمويل كبير وطويل الأجل لشراء الكلنكر وقطع الغيار والحقائب والطاقة وإدارة المخزون. عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة وشروط التمويل صعبة، يتم تحويل جزء كبير من التكلفة تلقائيًا إلى سعر المنتج النهائي. ولذلك فإن أي نقاش جدي حول سعر الأسمنت يجب أن يشمل أيضاً تكلفة التمويل الصناعي، ولا يقتصر الأمر على إلقاء اللوم على المصانع وحدها. إذا كان الهدف حقاً جعل الأسمنت أقل تكلفة على المواطنين، فالحل ليس تدمير المصانع المحلية ولا فتح الباب بشكل عشوائي أمام الأسمنت الجاهز المستورد. والحل الحقيقي يتلخص في معالجة أسباب ارتفاع الأسعار من المنبع: توجيه الطاقة إلى الصناعة بأسعار تنافسية، ومراجعة الرسوم المفروضة على الكلنكر والمدخلات الأساسية، وتحسين كفاءة الموانئ، والتمويل الصناعي الأقل تكلفة، وتنظيم السوق بشكل رشيد. مصانع الأسمنت في موريتانيا ليست مجرد نشاط تجاري بسيط. وهي استثمارات صناعية تدر سنويا مبالغ كبيرة على خزينة الدولة، وتوظف العمال الموريتانيين، وتخلق نشاطا اقتصاديا في النقل والمناولة والصيانة والخدمات والتموين. وقد يبدو إضعاف هذه المصانع تحت شعار «الأسمنت الرخيص» جذاباً على المدى القصير، لكنه يحمل تكلفة أكبر على المدى الطويل: تراجع الصناعة المحلية، وتراجع إيرادات الدولة، وفقدان الوظائف، وزيادة اعتماد السوق على الخارج. نحن لا نؤيد أي هامش ربح غير مبرر، ولا نرفض الشفافية في الأسعار. بالعكس الشفافية مطلوبة. لكن المنطق الاقتصادي السليم يقول إن تخفيض سعر الإسمنت يبدأ بتخفيض تكلفة إنتاجه، وليس بالإضرار بالصناعة الوطنية. أما تحويل القضية إلى حملة على المصانع، فهو يتناقض مع كل خطابات الدولة حول التصنيع والمحتوى المحلي وجذب الاستثمار. الحل لا يكمن في الشعارات، بل في الإصلاح الاقتصادي العملي: سياسة طاقة صديقة للصناعة، وضرائب أكثر ذكاءً على المدخلات، وميناء أكثر كفاءة، وتمويل صناعي بشروط أفضل، وإشراف فني شفاف، وحماية رشيدة للإنتاج الوطني.

اخبار موريتانيا الان

فالمسألة ليست في الشعار، بل في هيكل التكلفة

اخبار اليوم موريتانيا

اخر اخبار موريتانيا

اخبار اليوم في موريتانيا

#فالمسألة #ليست #في #الشعار #بل #في #هيكل #التكلفة

المصدر – الأخبار