اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-11 11:47:00
في واحدة من أكثر الرسائل السياسية توترا وكثافة منذ سنوات، خرج إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، عن صمته ووجه رسالة مطولة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، هاجم فيها بعنف الدول الداعمة للمغرب، متهما إياها بـ”تزوير الحقائق” و”تشجيع الاحتلال”، بأسلوب ولغة بدا للكثيرين أقرب إلى صرخة الغضب السياسي واليأس منها إلى خطاب دبلوماسي متوازن. وبحسب مراقبين، فإن الرسالة التي جاءت مباشرة بعد موجة من الإدانات الدولية للهجمات التي استهدفت مدينة السمارة، لم تكن مجرد احتجاج عابر على مواقف بعض العواصم الغربية. بل إنه، بحسب قراءتهم، يعكس شعورا متزايدا داخل قيادة البوليساريو بأن ملف الصحراء دخل منعطفا حاسما يميل بسرعة لصالح المغرب، وأن الجبهة تخسر، واحدة تلو الأخرى، آخر الأوراق التي كانت تراهن عليها منذ عقود. واللافت في مضمون الرسالة، بحسب ما أكد عدد من المحللين، هو أن غالي لم يعد يتحدث بلغة “الحل السياسي الدولي” كعادته، بل اختار العودة إلى خطاب الحرب والتصعيد والتهديد بـ”المقاومة المسلحة”، مع إصراره على أن وقف إطلاق النار “انهار تماما” منذ أحداث الكركرات 2020. وهذا التحول في الخطاب يرى مراقبون أنه مؤشر واضح على الجمود الدبلوماسي في الصراع. الأفق بالنسبة لجبهة البوليساريو، بعد أن أصبحت أطروحة “الاستفتاء” شبه غائبة عن النقاش الدولي، على عكس الصعود غير المسبوق لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الحل الوحيد الواقعي والقابل للتطبيق. ولعل أكثر ما يكشف مدى الارتباك الذي تعيشه قيادة الجبهة هو أن الرسالة جاءت في وقت حساس للغاية، مباشرة بعد سلسلة المواقف الدولية الداعمة للمغرب، وبعد اتساع دائرة الإدانات للهجمات التي استهدفت مدينة السمارة، والتي وضعت لأول مرة جبهة البوليساريو تحت مجهر الاتهام المباشر بتهديد أمن المدنيين والاستقرار الإقليمي. ويشير نفس المراقبين إلى أن الجبهة حاولت خلال السنوات الماضية تسويق نفسها على أنها “حركة تحرير”، لكن طبيعة الهجمات الأخيرة واستهداف المناطق المدنية غيرت بشكل كبير صورة البوليساريو داخل عدد من العواصم الغربية، خاصة في ظل تنامي المخاوف الدولية من تحول منطقة الساحل والصحراء إلى ساحة مفتوحة للتنظيمات المسلحة وشبكات التهريب والتطرف. ولذلك، لم يكن من العبث، بحسب التحليل نفسه، أن يخصص غالي جزءا مهما من رسالته للحديث عن “استهداف المدنيين” واتهام المغرب بارتكاب “جرائم حرب”، في محاولة واضحة لقلب الطاولة إعلاميا وسياسيا، بعد أن أصبحت الجبهة نفسها في موقف الاتهام، وليس موقف الضحية، كما تحاول تسويقه منذ سنوات. وفي العمق، تشير القراءة نفسها إلى أن رسالة غالي تبدو وكأنها اعتراف غير مباشر بأن المعركة الدبلوماسية لم تعد خاضعة لشعارات قديمة، وأن جبهة البوليساريو تواجه عزلة متزايدة داخل النظام الدولي، خاصة مع التحولات الكبيرة التي شهدها الملف في السنوات الأخيرة، بدءا من الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، مرورا بالدعم الفرنسي والإسباني والألماني والبريطاني المتقدم… لمبادرة الحكم الذاتي، وصولا إلى افتتاح العشرات من القنصليات بمدن الصحراء. العيون والداخلة وما يرافقهما من تنامي الاستثمارات الدولية. في المناطق الجنوبية. والأخطر بالنسبة للجبهة، حسب نفس المحللين، هو أن هذه التحولات لم تعد ظرفية أو مرتبطة بحسابات سياسية عابرة، بل تعكس قناعة دولية متنامية بأن المغرب نجح في فرض واقع سياسي وتنموي جديد داخل الصحراء، وأن خيار الانفصال لم يعد له أي أفق عملي أو جيوسياسي في منطقة تبحث عن الاستقرار أكثر من أي وقت مضى. وفي خضم هذا المشهد يبرز سؤال أكبر وأكثر حساسية: هل الجزائر نفسها بدأت تقتنع بأن مشروع الانفصال قد وصل إلى نهايته السياسية؟ صحيح أن الجزائر لا تزال توفر رسميا الغطاء السياسي والدبلوماسي والمالي لجبهة البوليساريو، لكن العديد من المؤشرات تشير إلى أن الحماسة الجزائرية تجاه هذا الملف لم تعد بنفس القوة والحماس الذي ميزت العقود الماضية. ومن يتابع المواقف الجزائرية في الأشهر الأخيرة يلاحظ نوعا من الحذر والتراجع النسبي، على عكس تصاعد الخطاب داخل جبهة البوليساريو نفسها، وكأن الجبهة تحاول تعويض لامبالاة مؤيديها من خلال رفع مستوى التصعيد الإعلامي والعسكري. ويرى محللون أن الجزائر تدرك جيدا أن السياق الدولي تغير جذريا، وأن ميزان القوى لم يعد يسمح بإحياء المشروع الانفصالي كما طُرح في السبعينيات والثمانينيات، خاصة في ظل التحولات الأمنية التي تشهدها المنطقة، والضغوط الاقتصادية الداخلية، والرغبة الدولية المتزايدة في إغلاق بؤر التوتر المزمنة في شمال إفريقيا. كما أدركت القيادة الجزائرية أن استمرار هذا الصراع لم يعد يرهق المغرب فحسب، بل أصبح يرهق الجزائر نفسها سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا، خاصة مع تراجع قدرتها على حشد دعم دولي واسع لأطروحة البوليساريو، كما كان يحدث في الماضي. ومن هنا، يرى مراقبون أن رسالة غالي الأخيرة ليست رسالة قوة كما حاولت وكالة أنباء الجبهة تقديمها، بل هي أقرب إلى إعلان التخوف من الانهيار التدريجي لمشروع ارتكز منذ عقود على الدعم الأيديولوجي والسياسي وليس على معطيات واقعية قابلة للتطبيق. وبدت الرسالة، بكل ما فيها من لغة هجومية واتهامات وانفعالات، بمثابة اعتراف ضمني بأن البوليساريو لم تعد تواجه المغرب فقط، بل تواجه أيضا واقعا دوليا جديدا يتشكل بسرعة، واقع يضع الاستقرار والتنمية والسيادة فوق شعارات الحرب والانفصال. وبين غضب غالي، والصمت النسبي للجزائر، وتصاعد الدعم الدولي لمغربية الصحراء، يبدو أن المشروع الانفصالي يعيش اليوم أصعب لحظاته التاريخية، فيما يواصل المغرب، بثقة متزايدة، تعزيز حضوره السياسي والدبلوماسي والاقتصادي داخل أقاليمه الجنوبية، في مشهد يجعل حلم “الجمهورية الوهمية” أقرب من أي وقت مضى إلى نهايته السياسية.




