اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-07 07:48:00
منذ 5 ساعات عناصر من الجيش اللبناني يقفون على آلية عسكرية ويبلغون الناس. الذهاب إلى لبنان. رويترز عند كل نقطة تحول، يعود الحديث عن شبح الفتنة والحرب الأهلية باعتباره أسرع وسيلة لتخويف اللبنانيين ودفعهم إلى قبول الأمر الواقع. وفي كل مرة يتم التهديد بتقسيم الشارع إلى شارعين متقابلين، على أساس أن يتحول الاحتكاك السياسي تدريجياً إلى مواجهة شعبية، قبل أن تنتهي إلى مواجهات عسكرية واسعة النطاق تعيد إنتاج مشاهد الحرب الأهلية. لكن القراءة الهادئة للحقائق الداخلية والإقليمية تكشف أن هذا السيناريو لم يعد واقعياً، وأن الرهان عليه أصبح أقرب إلى الاستثمار النفسي والسياسي منه إلى الاحتمال القابل للتنفيذ. لبنان اليوم ليس لبنان الذي عرفه اللبنانيون في المراحل السابقة، والبيئة السياسية والإقليمية التي كانت تسمح بتحول التوترات السياسية إلى مواجهات. العسكرية لم تعد موجودة. ولذلك فإن الحديث المتكرر عن الفتنة يؤدي وظيفة سياسية وإعلامية أكثر مما يعكس معطيات واقعية، فهو يهدف قبل كل شيء إلى بث الخوف بين المواطنين ودفع القوى السياسية إلى التراجع عن مواقفها بحجة تجنب الانزلاق إلى المجهول. ويستند هذا التقييم إلى أن الظروف التي أنتجت أحداث 7 أيار (مايو) 2008 لم تعد موجودة. في تلك المرحلة، كان المشهد الإقليمي مختلفاً تماماً، وكان النظام السوري يشكل مظلة سياسية وأمنية لـ«محور المقاومة» داخل لبنان، فيما سمحت موازين القوى الداخلية بفرض الحقائق الميدانية بسرعة كبيرة، مستفيداً من شبكة واسعة من التحالفات والامتدادات داخل مؤسسات الدولة وخارجها. واليوم تغيرت هذه المعادلات بشكل جذري. وسوريا نفسها أصبحت في الاتجاه الآخر، ولم تعد اللاعب الذي كانت عليه قبل 2011، ولم تعد لديها القدرة على إدارة المشهد اللبناني كما كان من قبل. داخلياً، تغيرت الخريطة السياسية والاجتماعية بشكل واضح، فلم يعد هناك غطاء وطني عابر للطوائف يمكن أن يؤمن أي شرعية لمغامرة داخلية. لا يوجد حليف مسيحي قادر على توفير الغطاء الشعبي والسياسي، ولا شريك سني يستطيع أن يضفي على أي مواجهة بعداً وطنياً، والبيئة الدرزية تتخذ مواقف مختلفة عن تلك التي سادت في المراحل السابقة، فيما برز داخل الطائفة الشيعية نفسها قطاع كبير يتبنى مقاربة مختلفة لمستقبل الدولة والسلاح والعلاقة مع المجتمع الدولي، ما يجعل أي محاولة لإعادة إنتاج مشهد الانقسام التقليدي أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتحقيق. ولا يقتصر التغيير على الخريطة السياسية، بل يشمل مؤسسات الدولة نفسها. تعمل الأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية اليوم في بيئة مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات، ولم يعد من الممكن فرض الإرادات عليها بالأساليب التي كان يُعتمد عليها سابقاً، سواء عبر الترهيب أو الإغراء أو الضغط السياسي المباشر. كما أدركت هذه المؤسسات أن أي انزلاق داخلي ستكون له تكلفة وجودية على الدولة نفسها، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى. في المقابل، لا تنظر القوى الدولية المعنية بالملف اللبناني إلى أي انفجار داخلي على أنه شأن لبناني بحت، بل تعتبره تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي ومصالحها الأمنية في شرق المتوسط. ولذلك فإن هامش المناورة لأي طرف يفكر في استخدام القوة داخلياً أصبح أضيق بكثير مما كان عليه من قبل. والأهم من ذلك كله أن حزب الله نفسه يدرك أن الحرب الداخلية لم تعد خياراً قابلاً للتطبيق، ليس فقط بسبب تغير ميزان القوى المحلية، بل أيضاً بسبب التحولات القانونية والسياسية الدولية التي تحكم التعامل مع أي انهيار شامل للدولة اللبنانية. لقد تغيرت المعادلات التي كانت قائمة قبل عقدين من الزمن بشكل عميق، وأي استخدام للقوة داخل لبنان يفتح الباب أمام تدخلات وضغوط دولية يصعب احتواء تداعياتها. ومن هنا يبرز العامل الأكثر حساسية في الحسابات الاستراتيجية، وهو احتمال انتقال الأزمة اللبنانية إلى مستوى دولي مختلف إذا انهارت مؤسسات الدولة أو انزلقت البلاد إلى حرب أهلية جديدة. ويكفي في هذا السياق التذكير بما يعنيه الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والصلاحيات الواسعة التي يمنحها لمجلس الأمن في حال اعتبار السلم والأمن الدوليين مهددين. وهي معادلة يدرك جميع اللاعبين الداخليين مخاطرها السياسية والأمنية والسيادية، ويدركون أيضاً أن أي طريق يؤدي إليها ستكون تكلفته أعلى بكثير من أي مكاسب ظرفية يمكن تحقيقها داخلياً. لذلك، تبدو معركة هذه المرحلة سياسية بامتياز، تدور حول تطبيق الاستحقاقات والتفاهمات، وحول مستقبل الدولة واحتكارها. من أجل السلاح والقرارات الأمنية، وليس من أجل إعادة إنتاج الحرب الأهلية. أما التهديدات المتكررة بالفتنة، فهي تبقى، في جزء كبير منها، أداة ضغط نفسي تهدف إلى تجميد أي مسار تغيير وإقناع اللبنانيين بأن البديل عن الواقع القائم هو الفوضى، في حين تشير الوقائع إلى أن البيئة الداخلية والإقليمية والدولية لم تعد تسمح بانفجار من النوع الذي شهده لبنان في المراحل السابقة، وأن تكلفة أي مغامرة داخلية أصبحت كبيرة لدرجة أن مجرد التفكير فيها أصبح أقرب إلى الرهان على المستحيل.




