اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-05 23:20:00
الكتابة للمستقبل: الدولة ليست حكومة. صلاح أحمد الحبو باحث في الاقتصاد المؤسسي وتقييم الأصول غير الملموسة وبناء الدولة، ويعمل على وضع إطار نظري للأصول السيادية غير الملموسة للدولة. “تسقط الحكومات وتبقى الدول. لكن عندما تسقط الدولة مع الحكومة، فهذا يعني أن المجتمع لم ينجح بعد في بناء الدولة، بل نجح فقط في انتقال السلطة”. ولعل أكبر خطأ استراتيجي ترتكبه الدول أثناء الأزمات هو الخلط بين الدولة والحكومة. الحكومة كيان سياسي مؤقت، والدولة مشروع تاريخي ممتد. فالحكومة تتغير بالانتخابات أو التعيين أو الاستقالة، أما الدولة فتستمر عبر الأجيال، لأنها تقوم على مؤسسات وقيم وقواعد وهوية مشتركة، وليس على الأشخاص. وتبدو هذه الحقيقة بديهية في الفكر السياسي، لكنها غالبا ما تغيب في الممارسة العملية، خاصة في البلدان التي تمر بتحولات سياسية أو صراعات مسلحة. وعندما يغيب هذا التمييز، يتحول التنافس على إدارة الدولة إلى صراع على الملكية، وتصبح مؤسساتها جزءا من الصراع وليس إطارا لحله (1). ومن هنا أقترح مفهوماً أسميه “الاستهلاك السياسي للدولة”، وهو يعني اختزال الدولة في الحكومة القائمة، بحيث تستنزف مؤسساتها ومواردها ورمزيتها في الصراع السياسي اليومي. وفي هذه الحالة، لم يعد الخلاف بين القوى السياسية نزاعاً على السياسات العامة، بل يتحول إلى تنافس على الدولة نفسها. ويضعف حياد المؤسسات، وتتراجع ثقة الجمهور، ويصبح كل انتقال سياسي مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة. وهناك مفهوم آخر أقترحه وهو “الرسملة المؤسسية للدولة”، وهو ما يعني تراكم الأصول السيادية غير الملموسة للدولة. مثل المبادئ فوق الدستورية، والثقة العامة، والشرعية المؤسسية، واستقلال القضاء، وحياد الخدمة المدنية، وسيادة القانون. وهذه ليست قيماً أخلاقية مجردة، بل هي رأسمال سيادي يحدد قدرة الدولة على الاستمرار، بغض النظر عن هوية الحكومات. وتقدم الحالة السودانية مثالا مؤلما لهذه المشكلة. منذ الاستقلال، تعاقبت حكومات مدنية وعسكرية، ودساتير مؤقتة، ووثائق انتقالية، واتفاقات سياسية، لكن الدولة استمرت في البدء من جديد في كل مرة. وكأن كل حكومة تأتي ويُطلب منها إعادة تعريف الدولة وليس إدارتها. وهكذا أصبحت مؤسسات الدولة نفسها ساحة للصراع، وغالباً ما فقدت حيادها واستمراريتها. ثم جاءت الحرب لتكشف أن الأزمة أعمق من مجرد صراع على السلطة. إنها أزمة في بناء الدولة. فقد تضررت مؤسساتها، وانحدرت الثقة فيها، وتآكل رأسمالها الاجتماعي، وارتفعت تكاليف عدم اليقين ــ وهي خسائر لا تقل خطورة عن الخسائر الاقتصادية أو خسائر البنية الأساسية. التفكير الاستراتيجي يدفعنا للانتقال من السؤال: من يحكم السودان؟ إلى سؤال أعمق: كيف نحمي الدولة السودانية من تقلبات الحكم؟ إن الفارق بين الدول المستقرة والدول الهشة لا يكمن في نوعية الحكومات وحدها، بل في قدرة الدولة على الاستمرار رغم تغير الحكومات. وهذا ما تشير إليه أدبيات الاقتصاد المؤسسي التي ترى أن استقرار المؤسسات هو العامل الحاسم في التنمية المستدامة (2). ولذلك فإن إعادة بناء السودان بعد الحرب يجب أن تبدأ بإعادة بناء الدولة، وليس فقط إعادة هيكلة الحكومة. فالحكومات هي أدوات الإدارة، أما الدولة فهي الإطار الشامل الذي يمنح تلك الإدارة معناها واستمراريتها. ومن هنا تأتي أهمية المبادئ فوق الدستورية. وهي ليست مجرد قواعد قانونية، بل تمثل الجدار الذي يمنع المنافسة السياسية من التحول إلى صراع وجودي على الدولة. فكلما اتسعت مساحة الاتفاق، زادت قدرة الدولة على الصمود، وانخفضت تكلفة التحول السياسي، وزادت ثقة المواطنين والمستثمرين في المستقبل. لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الدول التي نجحت في التغلب على الحروب لم تبدأ بإعادة توزيع المناصب، بل بإعادة بناء المؤسسات واستعادة ثقة الجمهور. وتشير تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وتجربة جنوب أفريقيا بعد انتهاء الفصل العنصري، إلى أن الاتفاق على المبادئ التأسيسية للدولة سبق استقرار النظام السياسي، ولم يكن نتيجة له(3)(4). وفي السودان، قد يكون التحدي الأكبر بعد الحرب هو الانتقال من سياسة إدارة الطاقة إلى استراتيجية بناء الدولة. وهذا يتطلب إحياء المؤسسات الدائمة، وحمايتها من الاستقطاب، واعتماد مبادئ فوق دستورية تحظى بإجماع وطني، بحيث تصبح مرجعية تسمو فوق الخلافات الحزبية. فالدولة ليست حكومة، كما أن الأمة ليست نظاما سياسيا. فالبلدان التي تختزل نفسها أمام حكوماتها تستهلك رأسمالها المؤسسي مع كل أزمة. أما الدول التي تستثمر في مؤسساتها، فإنها تمارس ما يمكن وصفه بالرأسمالية المؤسسية. وهذا يعني تحويل الثقة، والشرعية، وسيادة القانون، والمبادئ المشتركة إلى رأسمال سيادي متجدد. ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي على السودانيين أن يتفكروا فيه عندما يفكرون في مرحلة ما بعد الحرب: إن المطلوب ليس تشكيل حكومة جديدة فحسب، بل إنشاء دولة لا تبدأ من الصفر كلما تغيرت الحكومة. مستقبل السودان لن يتحدد بالسؤال: من يحكم؟ بل السؤال الأهم هو: ما الذي يبقى ثابتا عندما يتغير المسطرة؟ هناك يبدأ بناء الدولة، وهناك يبدأ المستقبل. المراجع (1) ماكس فيبر، السياسة مهنة، 1919، وكتاباته عن الدولة واحتكار الاستخدام المشروع للقوة. (2) دوغلاس سي. نورث، المؤسسات والتغيير المؤسسي والأداء الاقتصادي، 1990. (3) إعادة توحيد ألمانيا، دراسات إعادة البناء المؤسسي في ألمانيا ما بعد الحرب، والبنك الدولي > تقرير التنمية في العالم 2011: الصراع والأمن والتنمية. (4) نهاية الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، كتابات فرانسيس فوكوياما حول الثقة وبناء المؤسسات، وكذلك تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول بناء الدولة بعد الصراع. (5) دارون عاصم أوغلو وجيمس روبنسون، لماذا تفشل الأمم، 2012. المؤلف




