تونس – الاتحاد التونسي لكرة القدم مطالب بتحمل مسؤولية انتكاسة رياضية وشعبية غير مسبوقة

اخبار تونس17 يونيو 2026آخر تحديث :
تونس – الاتحاد التونسي لكرة القدم مطالب بتحمل مسؤولية انتكاسة رياضية وشعبية غير مسبوقة

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-17 00:59:00

*بقلم فهيم بوكدوس بغض النظر عن الجدل الدائر حول الأسماء أو قيمة عقود المدربين، يبقى من الضروري التركيز على المسؤولية الحقيقية عن الوجه المخيب للآمال الذي أظهره المنتخب التونسي في أول مباراة له في كأس العالم. ولم يكن هذا الأداء مجرد تعثر عابر أو نتيجة ظرفية، بل كان تتويجا طبيعيا لمسار طويل من التراجع الفني والأداء الباهت الذي رافق الفريق لأكثر من عام كامل، وسط مؤشرات مستمرة على غياب الرؤية والقدرة على تطوير الأداء الجماعي للفريق. لكن ما يجعل هذه الخيبة أكبر من مجرد هزيمة رياضية هو حجم الصدمة التي خلفتها في صفوف التونسيين. ودخلت الجماهير هذه المشاركة وكلها أمل كبير في أن يكون الفريق مصدر فرح وفخر في فترة يحتاج فيها الوطن إلى ما يوحد شعبه ويمنحهم الشعور بالفخر والانتماء. لكن ما شاهدته الجماهير على أرض الملعب ولّد حالة واسعة من الغضب والإحباط والشعور بالخيانة، ليس بسبب النتيجة فحسب، بل بسبب الطريقة التي ظهر بها الفريق، وكأنه غير قادر على مجاراة الحد الأدنى من متطلبات المنافسة في أكبر محفل كرة قدم عالمي. ورأى الكثير من التونسيين أن الفريق لا يعكس لا تاريخ الكرة التونسية ولا مكانتها القارية، ولا يجسد الروح والشخصية “القتالية” التي ارتبطت بكرة القدم التونسية منذ عقود. وكانت الصدمة أكبر لأن الجماهير لم تكن تطالب بالمستحيل أو الفوز باللقب العالمي، بل كانت تنتظر أداء مشرفا يعكس قيمة القميص الوطني ويعطي انطباعا بأن عملا جديا قد تم إنجازه استعدادا لهذا الموعد الكبير. ولذلك، لم تكن ردود الفعل الغاضبة مجرد رد فعل لحظي بعد المباراة، بل كانت تعبيرا عن حالة من التوتر المتراكم والشعور المتزايد بأن المنتخب يسير منذ فترة في اتجاه لا يتوافق مع تاريخ الكرة التونسية أو مع تطلعات جماهيرها. ويزداد هذا الشعور مرارة عندما يرى التونسيون فرقا عربية وإفريقية أخرى تفوقنا عليها تاريخيا في المشاركة أو الإرث الكروي، تقدم مستويات أفضل وأكثر تنظيما وشخصية، على غرار المنتخب المغربي الذي أصبح نموذجا للعمل الرياضي المتراكم، أو منتخبات مصر والسعودية وقطر والرأس الأخضر، التي أظهرت قدرة أكبر على التطور ومواكبة متطلبات كرة القدم الحديثة. وهو ما دفع الكثيرين إلى التساؤل بمرارة: لماذا تتقدم تجارب الآخرين فيما تتراجع كرة القدم التونسية عاما بعد عام؟ إن إلقاء المسؤولية على اللاعبين أو الجهاز الفني وحده لا يكفي لتفسير ما حدث، لأن القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالتخطيط الرياضي واختيار المدربين وتقييم الأداء وتحديد الأهداف تدخل بالدرجة الأولى في اختصاص الدوري التونسي لكرة القدم. ومن هذا المنطلق فإن الجامعة مطالبة بتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الفشل المتراكم، وعن حالة الغضب والإحباط التي يعيشها الشارع الرياضي التونسي اليوم. ومن ناحية أخرى، فإن المطالبة بالمحاسبة لا تعني بأي حال من الأحوال المطالبة بالتدخل السياسي في شؤون الجامعة. إن استقلال الهياكل الرياضية، كما تنص عليه لوائح الفيفا، غير قابل للخلاف، ونعتبر استقلالية اتخاذ القرار الرياضي مكسبا مهما في حماية كرة القدم من التوترات والضغوط الخارجية. لكن من المهم التأكيد على أن الاستقلالية ليست امتيازا يمنح أصحابها حق العمل بعيدا عن التقييم والمحاسبة، وليست حصانة من الانتقاد عندما تتكرر الإخفاقات وتتراكم الأخطاء. إن الاستقلالية التي تتمتع بها الجامعة تفرض عليها في المقابل مستوى أعلى من المسؤولية والشفافية وعرض النتائج على الرأي العام الرياضي. فلا يمكن التمسك باستقلالية القرار عند اتخاذ الاختيارات، ومن ثم التهرب من المسؤولية عندما تظهر نتائج تلك الاختيارات. ومن يتمتع بالحرية الكاملة في اتخاذ القرار يتحمل أيضاً المسؤولية الكاملة عن نتائجه. ولذلك فإن الحديث اليوم عن مسؤولية الجامعة لا يستهدف استقلاليتها أو التشكيك فيها، بل ينطلق من مبدأ أساسي وهو أن الاستقلال والمساءلة وجهان لعملة واحدة، ولا يصح أحدهما دون الآخر. بل إن أخطر ما يمكن أن تواجهه كرة القدم التونسية ليس التدخل في شؤون الجامعة، بل أن يتحول الاستقلال إلى ذريعة للهروب من التقييم والمراجعة. وعندما يشعر الشارع الرياضي أن سنوات القرارات والاختيارات لم تسفر إلا عن مزيد من التراجع، وأن كل انتقاد يقابل بذريعة الاستقلال، فإن ذلك يوسع الفجوة بين الجماهير والمؤسسة المشرفة على اللعبة، ويعمق الشعور بفقدان الثقة في قدرتها على قيادة مشروع رياضي يعيد للمنتخب الوطني مكانته. ما حدث لا يمكن اختزاله في خسارة مباراة أو مشاركة سيئة. ما حدث كان انتكاسة رياضية وشعبية أصابت شعبا بأكمله كان يبحث عن لحظة فرح وفخر، ووجد نفسه أمام أداء يثير الحسرة أكثر من الأمل. لذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة مراجعة حقيقية وشجاعة، لأن الجماهير لم تعد تطالب بالوعود والخطب، بل تريد أن ترى المسؤولين يعترفون بالأخطاء ويتحملون عواقبها قبل أن يطلبوا من الشارع الاستمرار في الصبر وانتظار التغيير. إن الاستقلالية الممنوحة للجامعة لحماية القرار الرياضي لا تكتمل إلا إذا تحملت المسؤولية الكاملة عن نتائج ذلك القرار سواء بالنجاح أو الفشل. النجاح يعود إلى الذين يديرون ويخططون ويقررون، ومن الطبيعي أن يتحملوا المسؤولية أيضا عندما تتراكم الإخفاقات وتتراجع النتائج. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن مبررات جديدة، بل إجراء مراجعة صريحة وشجاعة للمسار برمته، لأن ما حدث لم يكن مجرد هزيمة في مباراة، بل انتكاسة رياضية وشعبية ضربت الجماهير التي كانت تنتظر تكريم فريقها لتاريخ الكرة التونسية والارتقاء إلى مستوى طموحاتها وآمالها. * ف. ب: المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين