اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-06 11:00:00
مثل عقد من اللؤلؤ الرائع، تنتشر حوالي ستين جزيرة وجزيرة صغيرة على طول الساحل التونسي، وتمتد من الشمال إلى الجنوب. ومن جزيرة غلطة في أقصى الشمال إلى جزيرة جربة في الجنوب، تتنوع المناظر الطبيعية، وتكتسب هذه الجزر أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية والبيئية، نظرا لغناها بالتنوع البيولوجي. في الواقع، نحن لا نعرف هذه الجزر كما ينبغي لنا. وحتى الجزر المأهولة مثل قرقنة وجربة لا نعرف عنها إلا القليل. أما جزر زمباراة وغوريا والكنائس، وهي من أبرز الجزر التونسية، فلا تزال تخفي الكثير من أسرارها الساحرة عن التونسيين والأجانب على حد سواء. ويخصص «القادة» ملفاً موسعاً لهذه الجزر، يتم نشره على مدى عدة أيام. كل من يزور هذه الجزر يقع تحت سحر طبيعتها الخلابة حيث يبدو كل شيء استثنائيا. الطيور مثل أسراب 140 ألف صقر رمادي (Puffin cendré) في زامبارا، وصقور إليونورا (Bornese) التي تهاجر بين جالاتا ومدغشقر، والفواكه ذات الطعم الفريد، والنباتات النادرة، وأنواع الأسماك العديدة، وسلاحف Caretta caretta البحرية التي تختار هذه الجزر للتعشيش، كل ذلك مع الغطاء النباتي الكثيف يشكل عالمًا طبيعيًا خالصًا يأسر القلوب. لكل جزيرة روحها وتاريخها الخاص، وسحرها يجذب البحارة والباحثين والزوار. ويحكي كل موقع جانباً من تاريخ الأرض ويخزن جزءاً من تراثها الطبيعي والإنساني. كل زاوية مذهلة لأولئك الذين يتأملون جيدًا. أما بالنسبة للجزر المأهولة فلا يزال السكان يحتفظون بالتقاليد القديمة التي توارثتها الأجيال. ويظل الصيد البحري مصدر رزقهم الأساسي، بالإضافة إلى الزراعة التقليدية والصناعات الحرفية. كما يتميز السكن بطابعه المحلي، وتنتقل الفنون الشعبية من جيل إلى آخر، بينما تشكل المناسبات العائلية مساحات للتآلف والكرم وكرم الضيافة. ورغم هذه الثروة، تظل هذه الجزر موائل طبيعية حساسة وهشة، معرضة للعديد من المخاطر، بعضها طبيعي، لكن التدخل البشري غالبا ما يزيدها سوءا. نعمة عظيمة… فماذا فعلنا بها؟ يقول عامر الوسلاتي في كتابه “جزر تونس”: “إن البلد الذي يمتلك هذا العدد من الجزر، بهذا التنوع والجمال والجاذبية، والموزعة على كامل ساحله، هو بلد محظوظ وقد وهبته الطبيعة بسخاء”. ولكن ماذا فعلنا بهذه النعمة؟ والحقيقة هي أننا لم نستثمر فيه إلا على نطاق محدود. وتبذل الإدارة العامة للغابات التابعة لوزارة الزراعة جهودا كبيرة لحماية الجزر والجزر الصغيرة بدعم من الإدارات المعنية بالتنمية المستدامة ووكالة حماية وتنمية الشريط الساحلي والبحرية الوطنية ومختبرات البحث العلمي. لكن ما يتم تحقيقه اليوم هو بناء رؤية وطنية شاملة وتنسيق فعال بين مختلف الجهات المعنية. إلا أن روح الالتزام حاضرة بقوة لدى الكثير من المسؤولين والباحثين. كما لا يمكننا أن نتجاهل جهود الباحثين المستقلين المتحمسين لقضية الجزر، مثل رضا العوني وعبد المجيد الدبار، الذين يكرسون وقتهم للدفاع عن هذا التراث الطبيعي. ومن المشاريع المهمة التي كان من الممكن أن تساهم في تثمين هذا التراث الطبيعي مع الحفاظ عليه، مشروع “مسار جزر الجزار”. تمت الموافقة على هذا المشروع في عام 2010 بعد دراسات معمقة، ويهدف إلى تطوير خمس جزر رئيسية وإطلاق سياحة بيئية منظمة على أساس الرحلات المخطط لها. الدراسات شملت كافة التفاصيل، لكن المشروع بقي مغلقا ولم يرى النور. ويكفي التذكير بأن حسن بلخوجة عندما كان رئيسا ومديرا عاما للبنك الوطني الفلاحي وشركة البنك التونسي، بنى في ستينيات القرن الماضي بجزيرة زمبارا محطة سياحية صغيرة ضمت فندقا ومنازل وحتى مسرحا صغيرا، وهو ما يعكس رؤية استشرافية سبقت عصره. لكن بعد ذلك ظهرت أطماع كثيرة للاستيلاء على الجزيرة. وكشف البروفيسور علي الحلي أن بعض المستثمرين حاولوا شراء زمبارا، إلا أن الحبيب بورقيبة الابن رفض طلبا تقدم به سمو الآغا خان في هذا الصدد. ولاحقا، حاول رجل الأعمال الصيني ديفيد تشاو، مستغلا علاقاته مع المقربين من الرئيس السابق، الحصول على امتياز لإنشاء منتجع سياحي يضم كازينو على إحدى الجزر. كما أن التراخي الذي أعقب الثورة دفع بعض المتجاوزين إلى استغلال هذا الوضع، فتسللوا إلى بعض الجزر للاعتداء على الحياة البرية والإضرار بتوازنها البيئي. ولولا يقظة أفراد الغابات ووحدات الجيش لكان الضرر أكبر بكثير. وفي المقابل، هناك جانب مشرق يمثله الباحثون وأصدقاء الجزر، الذين يزورون هذه المواقع بتراخيص قانونية، وبروح علمية ومسؤولة، لرصدها ودراستها والمساهمة في حمايتها. الرؤية الوطنية أصبحت ضرورة اليوم. وتفرض هذه المرحلة أولويتين أساسيتين: • بلورة رؤية وطنية شاملة تشمل كافة الجزر التونسية والجزر الصغيرة، وتدمج مختلف الأبعاد البيئية والاقتصادية والثقافية والسياحية. • إنشاء هيئة وطنية متخصصة تتولى الإشراف على هذا التراث الفريد، ومنحها الصلاحيات والإمكانات اللازمة لحمايته وتثمينه. يبقى النقاش مفتوحا.



