تونس – يجب ألا يحجب الفصل 24 من المرسوم 54 غابة مخاطر المرسوم نفسه (فيديو)

اخبار تونس13 مايو 2026آخر تحديث :
تونس – يجب ألا يحجب الفصل 24 من المرسوم 54 غابة مخاطر المرسوم نفسه (فيديو)

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-12 23:59:00

*ف ب، المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين *بقلم فهيم بوكدوس عكست المناقشات التي دارت في إحدى جلسات إحياء اليوم العالمي لحرية الصحافة، التي أقيمت اليوم الأربعاء 12 ماي، ونظمتها نقابة الصحفيين واليونسكو والمفوضية العليا، أن الجدل حول المرسوم رقم 54 مستمر بشكل واسع وغير مسبوق، في ظل تنامي حالة الإجماع السياسي والقانوني والمدني على خطورته وأضراره. وتداعياتها على مناخ الحريات العامة وحرية التعبير والصحافة. في تونس. ولم يعد النقاش مقتصرا على المنظمات الحقوقية أو الهياكل المهنية المعنية بالدفاع عن حرية الإعلام، بل امتد ليشمل مختلف الأحزاب السياسية وعددا من الأكاديميين والحقوقيين. لكن هذا الجدل، رغم أهميته، تركز بشكل شبه كامل على الفصل 24 من المرسوم، باعتباره الفصل الأكثر لفتًا للانتباه والأكثر استخدامًا في متابعة الصحفيين والناشطين والمعارضين والمواطنين بسبب تدوينات أو تصريحات أو محتوى منشور على شبكات التواصل الاجتماعي. وقد ساهمت الأحكام الثقيلة الصادرة بناءً عليه، وأحكام السجن القاسية التي ينص عليها، في جعله موضوعاً رئيسياً للنقاش العام حول المرسوم، إلى درجة أن الأمر أصبح وكأن المشكلة برمتها تقتصر على هذا الفصل وحده. لكن هذا التركيز المكثف على الفصل 24، رغم مشروعيته بالنظر إلى خطورته واستخداماته، قد يؤدي بدوره إلى التقليل من حجم المخاطر الأخرى التي يتضمنها المرسوم، سواء من خلال فلسفته العامة أو من خلال فصول أخرى لا تقل خطورة من حيث تأثيرها على الحقوق والحريات والضمانات الدستورية. المشكلة الحقيقية لا تتعلق فقط بفصل يجرم “الأخبار الكاذبة” أو يفرض عقوبات تحرم الناس من حرية التعبير، ولكنها تتعلق أيضا بنظام قانوني برمته يقوم على نهج جزائي موسع وتصورات فضفاضة للجرائم الإلكترونية، مما يسمح بالتوسع في التتبع والتفسير والتجريم. وقد أثبتت التجربة العملية منذ دخول المرسوم حيز التنفيذ أنه لا يبقى في حدود مكافحة الجرائم الإلكترونية كما ورد عند صدوره، بل تحول في مناسبات عديدة إلى أداة لتقييد حرية التعبير، وإلى إطار قانوني يسمح بتداعيات واسعة بسبب الآراء أو المواقف أو المحتوى المنشور في الفضاء الرقمي. كما كشفت الممارسة القضائية أن الخلل لا يرجع إلى طريقة تطبيق النص فحسب، بل أيضا إلى طبيعة الصيغ التي يتضمنها، والتي تكون في كثير من الأماكن واسعة وعامة وخاضعة لتفسيرات واسعة، مما سهل استخدامه بطريقة تتجاوز بكثير الغرض الأصلي المفترض لوجوده. وتزداد خطورة هذا الوضع عندما نلاحظ أن النقاش العام أصبح يقتصر في معظمه على المطالبة بحذف الفصل 24 أو تعديله، بينما تمر بقية الفصول أحيانا دون تدقيق كاف، رغم أنها تثير بدورها إشكاليات قانونية ودستورية وحقوقية عميقة. وهناك فصول تتعلق بالحفاظ على البيانات والمعلومات الشخصية لفترات طويلة بما يتعارض مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية الخصوصية، وفصول أخرى تفتح الباب أمام توسيع إجراءات الوصول إلى البيانات والرقابة الرقمية دون ضمانات كافية، بالإضافة إلى أحكام تمس سرية المصادر الصحفية وحقوق الدفاع وافتراض البراءة. كما أن عدداً من الجرائم المنصوص عليها في القرار لا تتوفر فيها شروط الدقة والوضوح التي يفترض توافرها في النصوص الجزائية، وهو ما يتناقض مع مبدأ الشرعية الجزائية الذي يقضي بتحديد الأفعال المجرمة بدقة حتى لا يتحول القانون إلى أداة قابلة للتأويل. ولا ينبغي أن يبنى قانون العقوبات على عبارات عامة وفضفاضة تسمح بتجريم السلوكيات المختلفة حسب تقدير السلطة أو الجهة المسؤولة عن الرقابة. ومن النقاط التي تستحق أيضًا نقاشًا أعمق، طبيعة العقوبات التي اعتمدها المرسوم، حيث يعتمد نهجًا قضائيًا صارمًا حتى في القضايا المتعلقة بالنشر أو الوصول إلى المعلومات أو بعض الإجراءات التي يمكن التعامل معها من خلال الآليات المدنية أو من خلال العقوبات المالية المتناسبة. وهو ما يتناقض مع التطورات الأخيرة في التشريعات المقارنة التي تتجه نحو تخفيف أحكام السجن في قضايا التعبير والنشر والجرائم المعلوماتية غير الخطيرة، واستبدالها بآليات أكثر توازنا تحترم الحريات الأساسية. كما تتناقض بعض الفصول بشكل واضح مع فلسفة اتفاقية بودابست بشأن الجرائم الإلكترونية، التي من المفترض أن المرسوم استند إليها. وتهدف هذه الاتفاقية في المقام الأول إلى مكافحة الجرائم التي تستهدف أنظمة المعلومات والبيانات الرقمية، مثل القرصنة والاحتيال وسرقة البيانات والقرصنة، ولا تتعلق بجرائم التعبير أو تداول الأخبار أو الآراء السياسية. ولذلك فإن توسيع نطاق المرسوم ليشمل مضامين النشر والتعبير يمثل انحرافاً عن الهدف الأصلي للاتفاقية، وقد ينعكس سلباً حتى على مستوى التعاون الدولي في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية. ومن هنا فإن الاكتفاء بحذف الفصل 24، رغم أهميته وضرورته، قد يتحول إلى معالجة جزئية لا تمس جوهر المشكلة الحقيقي. لأن الخطر لا يكمن في فصل واحد فقط، بل في الرؤية التشريعية التي ارتكز عليها المرسوم برمته، وفي الاتجاه نحو التوسع في التجريم والرقابة والحد من الضمانات القانونية تحت عنوان مكافحة الجرائم الإلكترونية. الإصلاح الحقيقي يتطلب إعادة نظر شاملة في المرسوم، وضمان التمييز الواضح بين الجرائم الإلكترونية الحقيقية وقضايا التعبير والنشر، ووضع تشريعات تحمي أنظمة المعلومات والبيانات الرقمية دون تحويلها إلى أداة للمساس بالحقوق والحريات الأساسية. كما يتطلب إعادة النظر في العقوبات غير المتناسبة، وضمان حماية البيانات الشخصية، واحترام سرية المصادر الصحفية، وتعزيز الضمانات القضائية المتعلقة بحقوق الدفاع وافتراض البراءة والخصوصية. ولا تقاس الدولة الديمقراطية بقدرتها على مكافحة الجريمة فحسب، بل أيضا بقدرتها على حماية الحريات في إطارها، وصياغة قوانين دقيقة ومتوازنة لا تسمح بتحويل النصوص القانونية إلى وسائل ترهيب أو تقييد أو تصفية المعارضين السياسيين والفكريين. لذلك، فإن النقاش الدائر اليوم حول المرسوم 54 لا ينبغي أن ينتهي عند الفصل 24، بل يجب أن يكون فرصة حقيقية لإعادة التفكير في كامل النظام القانوني المتعلق بالفضاء الرقمي والحريات الرقمية في تونس.