اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-30 18:01:00
مع بداية الثورة السورية، وتحديداً في أيار/مايو 2011، استقلت سيارة أجرة يقودها سائق كردي من مدينة حلب. دار حديث بيننا حول الأحداث التي اندلعت في درعا، فسألته عن سبب غياب الدعم الكردي الواضح حينها، رغم أن الأكراد كانوا من أكثر المكونات التي تعرضت لقمع نظام الأسد، خاصة بعد أحداث القامشلي عام 2004، فأجابني بهدوء وبرود ملحوظين قائلاً: ننتظرك حتى تنهض وتقمع وتسجن، وحينها سنجني الثمار ونجني النتائج. ولم تكن كلماته عاطفية أو مرتجلة، بل بدت وكأنها موقف محسوب أو رؤية جاهزة. واستمر الحديث حوالي ربع ساعة وسط الزحام المروري، ولكنني شعرت بعدم الارتياح الشديد، وطلبت منه أن ينزلني في مكان آخر غير الذي كنت سأذهب إليه. وبعد ثلاث سنوات، في منتصف عام 2014، دعيت مع مجموعة من القادة الميدانيين إلى مأدبة غداء في بلدة الباسوطة بريف عفرين، بدعوة من ضابط كردي برتبة عقيد. دار الحديث حول مسار الثورة السورية، وحالة الفوضى التنظيمية في صفوف الجيش الحر، وصعود تنظيم داعش، لكن همهم الأول لم يكن النظام ولا داعش، بل فصيل آخر. وطلب من القادة الميدانيين خلال الاجتماع الدخول في قتال مباشر مع جبهة النصرة. ورد أحدهم بأن جبهة النصرة تقاتل إلى جانبهم ضد النظام، وأن عناصرها يقدمون الدعم للثوار، ولم يرتكبوا أي شيء يضر بالشعب السوري. رد الضابط بحدة: هم أخطر علينا من النظام وداعش. ثم قال بوضوح صادم: عندما تقاتلونهم سنمدكم بالمال والسلاح. لم يعجبني الحديث، ودخلت في جدال مع الضابط، فهمس لي قائلاً: عناصر داعش مستعدون لتفجير أنفسهم من أجل بناء دولتهم، وقد قمنا بتدريب أفرادنا على التضحية من أجل بناء دولتنا. وعلى الرغم من لغته العربية الضعيفة، إلا أنه قال باللغة العربية الفصحى: نحن أكثر انتماءً لداعش من داعش. وانتهى اللقاء دون التوصل إلى أي اتفاق، لكن تأثيره لم ينته عند هذا الحد. بدت الصورة أكثر وضوحاً: ما سمعته من سائق التاكسي عام 2011 لم يكن رأياً فردياً معزولاً، بل جزء من منطق سياسي يرى في الثورة السورية فرصة استثمارية، وليس مشروعاً تحررياً. منطق يقوم على الانتظار والاستنزاف ومن ثم فرض الحقائق. وفي هذا السياق، لم يتم التعامل مع الثورة على أنها ثورة شعب ضد الاستبداد، بل كمرحلة من الفوضى التي يمكن استغلالها. وتحولت دماء الشهداء إلى تكلفة محسوبة، والسجون إلى مرحلة إنهاك، والمدن المدمرة إلى فراغ جغرافي يمكن إعادة تشكيله لخدمة مشروع معين، وليس وطناً موحداً. هذه الشهادة لا تهدف إلى تعميم الاتهام على مكون كامل، ولا إلى إنكار المظالم الحقيقية التي يتعرض لها الكرد وغيرهم، بل لتوثيق وقائع وتجارب شخصية عشتها، وأظهرت لي كيف تم استغلال الثورة السورية من قبل أطراف متعددة، ليس أقلها أولئك الذين انتظروا انهيار البلاد لبناء مشروعهم على حساب الدماء. لقد خرج السوريون، على حساب أكثر من مليون شهيد، مطالبين بالحرية، وليس بالتقسيم، أو استبدال طغيان بطغيان. بين صورة السائق في ربيع 2011 وخطاب الضابط في 2014، انكشف وجه آخر للمأساة السورية: ثورة شعبية حقيقية اختطفت، ليس فقط من النظام وأدواته، بل أيضاً من قوى انتظرت إرهاق المجتمع لتتبنى مشروعها الخاص. لم يسقط الشهداء من أجل أعلام بديلة أو حدود جديدة، بل من أجل الحرية والكرامة. الألم الحقيقي لا يكمن في اختلاف الهويات ولا في تعدد المظالم، بل في تحويل الثورة إلى سوق: من يدفع أقل الدماء يحصد المكاسب الأكبر. في هذا السوق، كان السوري البسيط -الذي خرج يهتف بالحرية- هو الخاسر الأكبر، فيما جلس آخرون يحصون الأرباح على أنقاض وطن محترق.



