اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-16 13:57:00
في كل صباح، يتوجه أبو أحمد الخلف أولاً إلى خزان المياه قبل البدء بأي شيء آخر في يومه. يرفع الغطاء، ويقدر الكمية المتبقية، ويحسب ما إذا كان سيكفي أسرته يومًا آخر من الشرب والغسيل والطهي. وفي قرية قانا جنوب مدينة الحسكة، لم يعد هذا التفتيش تفصيلاً عابراً في الحياة اليومية، بل أصبح عادة شائعة بين معظم السكان، في ظل القلق الدائم من نفاذ المياه وارتفاع تكلفة توفيرها. ويقول الخلف: “إن توفير كمية كافية من الماء لعائلتي المكونة من خمسة أفراد أمر لا يمكن الاستهانة به”. ويضيف أن تأمين المياه ليس بعيداً عن ذهنه، لأن الحصول عليها لم يعد سهلاً، في حين أن تكلفتها تتزايد على الأسر التي تعيش أصلاً تحت ضغط معيشي مستمر. وبحسب الخلف، تعتمد القرية على مصدرين رئيسيين للمياه. الأول، هو المياه الصالحة للشرب المنقولة عبر الصهاريج من محطة تحلية “نفشا” القريبة من جبل كوكب شرق مدينة الحسكة. ويصفه بأنه الأفضل لأنه لا يتطلب ترشيحًا إضافيًا. أما المصدر الثاني فهو الآبار الواقعة على أطراف مدينة الحسكة، وتستخدم مياهها للغسيل واستخدامات منزلية أخرى، رغم أن جودتها أقل. لكن جودة المياه لا تعني بالضرورة إمكانية الوصول إليها. وتعتبر مياه الصهريج للشرب باهظة الثمن بالنسبة للعديد من العائلات، إذ يبلغ سعر الصهريج بسعة خمسة براميل نحو 50 ألف ليرة سورية، ما يضطر معظم العائلات إلى الاقتصار على استخدامها للشرب والطبخ فقط. ويقول الخلف إن عائلته مضطرة إلى تقنين استهلاكها بشكل صارم، لأن الخزان الواحد يكفي لمدة أسبوع، وقد يمتد إلى عشرة أيام في أحسن الأحوال إذا التزم الجميع بالترشيد. أما مياه الآبار، فرغم أنها أقل تكلفة نسبياً، إذ يبلغ سعر الكمية نفسها نحو 40 ألف ليرة سورية، إلا أنها غير صالحة للشرب أو الطبخ. وعند الضرورة، تلجأ بعض العائلات إلى تجهيزه بطرق منزلية بسيطة، مثل غليه أكثر من مرة وتركه ليبرد قبل شربه أو استخدامه في إعداد الطعام. لكن ليس لدى جميع عائلات القرية القدرة على شراء المياه من هذين المصدرين بشكل منتظم، مما يضطر بعضهم إلى الاعتماد على المياه من الآبار السطحية المحفورة بالقرب من منازلهم. إلا أن هذه المياه غالباً ما تكون مالحة، نظراً لارتفاع نسبة المعادن فيها، ما يجعل استخدامها خياراً طارئاً وليس حلاً. وهذه المياه غير صالحة للشرب، ولكنها تستخدم للتنظيف والغسيل وغيرها من الأعمال المنزلية. ويطلق عليه أهالي جنوب الحسكة، حيث يعيش أكثر من 300 ألف نسمة، اسم “الماء المر”، في إشارة إلى طعمه اللاذع وغير المستساغ، الناتج عن اختلاط الأملاح بالمعادن. لكن حتى هذا النوع من المياه، الذي كان يعتبر في السابق متاحا نسبيا، لم يعد الوصول إليه سهلا. ويقول سكان المنطقة إن حفر بئر بعمق يتراوح بين 40 و50 متراً كان كافياً في السنوات السابقة، لكن الحصول على المياه اليوم يتطلب الحفر لعمق يقارب 100 متر، ما يضاعف التكلفة ويجعل الاعتماد على الآبار أكثر صعوبة على العديد من العائلات. وفي مدينة الشدادي قرب قانا، تجلس أم فارس بالقرب من وعاء كبير تغسل فيه أواني الطعام. تبدو يديها متشققتين وتشكو من أن الألم يزداد سوءًا عندما تلمس الماء. وتربط أم فارس هذه التشققات باستخدام المياه العذبة في التنظيف اليومي، وهي مهمة لا يمكن التوقف عنها رغم الأضرار التي تسببها. ولا تقف تأثيرات هذه المياه عند حدود الألم الجسدي، بل تمتد إلى مشاعرها الذاتية أيضًا. ومع تفاقم التشققات وتغير ملمس الجلد، بدأت تشعر بالخجل من مظهر يديها، وحاولت إخفاءهما تحت عباءتها عندما تلتقي بآخرين. ولتخفيف الألم، تلجأ أم فارس أحيانًا إلى استخدام جزء من المياه عالية الجودة، المخصصة أساسًا للشرب والطهي لعائلتها المكونة من أربعة أشخاص، لغسل يديها. وفي أحيان أخرى، تحاولين الاحتماء بالقفازات لتجنب ملامسة الماء بشكل مباشر، لكن هذه الحلول تبقى محدودة في مواجهة الأعمال المنزلية اليومية التي لا يمكن تأجيلها. ولا تقتصر آثار المياه المالحة على النساء أو الأعمال المنزلية فقط. وفي قرية قانا، يتحدث أمجد، أحد جيران أبو أحمد الخلف، عن التغيرات التي لاحظها على جلده بعد عودته أخيراً من دمشق إلى منزله في القرية. ويقول الشاب الثلاثيني إن وجهه ويديه أصبحا أكثر خشونة، ويربط ذلك باستخدام المياه المالحة في الغسيل والنظافة اليومية. “أستخدم الكريمات المرطبة يومياً، وعندما وصلت القرية لم أهتم ببشرتي، فملأت التشققات وجهي ويدي”. ويضيف أن غسل وجهه ويديه بالماء البارد يسبب له الألم أحيانا، خاصة في ظل عدم توفر الماء الساخن بشكل دائم. تداعيات أزمة المياه لا تتوقف عند حدود المنازل والهيئات، بل تمتد إلى من يعمل في نقلها وبيعها. يقول أبو الزين، صاحب صهريج مياه، إن هذه المهنة لم تعد، كما يظن البعض، مصدر ربح، بل أصبحت مرتبطة بزيادة الخسائر وتكاليف التشغيل التي تثقل كاهل أصحاب الصهاريج. “العمل خسارة، لكننا مستمرون في العمل على أمل أن تتحسن الأمور للناس”، مشيرًا إلى أن الجزء الأكبر من الأموال التي يكسبها يذهب لتأمين المحروقات، إذ يبلغ سعر برميل المازوت نحو مليون ونصف ليرة سورية. وفي شرحه لأسباب الأزمة، يعزو المدير المكلف بإدارة شؤون منطقة الشدادي عدنان دويش، تفاقم مشكلة المياه إلى توقف معظم محطات تحلية المياه المخصصة لخدمة المنطقة عن الخدمة. ويشير إلى أن هناك 11 محطة مخصصة للمنطقة، ولا تعمل أي منها حالياً بكامل طاقتها. وبحسب دويش، فإن إعادة تشغيل هذه المحطات من شأنه أن يخفف جزءاً كبيراً من الأزمة، حيث يمكنها تغطية ما بين 60 و70 بالمئة من احتياجات مياه الشرب في المنطقة. ولا يتشابه عبء المياه في كافة مناطق ريف الحسكة من حيث التكلفة فحسب، بل أيضًا من حيث المسافات التي تقطعها الصهاريج للوصول إلى السكان. وفي بلدة الهول شرق مدينة الحسكة يرتفع سعر صهريج المياه ليتراوح بين 60 و70 ألف ليرة سورية، ما يجعله أعلى من الأسعار المتداولة في مناطق أخرى. ويقول أحمد أبو عمر، إن أقرب محطة تصل منها المياه إلى البلدة تبعد حوالي 40 كيلومتراً، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تكلفة النقل والسعر النهائي الذي تتحمله العائلات. ويضيف أن العديد من العائلات لا تستطيع شراء المياه بشكل منتظم، لذلك تستخدمها فقط للشرب وتحضير الشاي، فيما تعتمد على “الماء المر” لغسل الأواني والملابس. وفي قرية عبدان جنوب مدينة الحسكة، لا يبدو وضع المياه أفضل بكثير مما هو عليه في القرى والبلدات المجاورة، رغم لجوء الأهالي إلى مصدر ثالث أقل تكلفة، بحسب أحد أهالي القرية، أبو فاضل. وهذا المصدر هو مياه الأمطار المتجمعة ضمن القرية أو المنقولة إليها من المناطق المجاورة، ويبلغ سعر الصهريج الواحد حوالي 10 آلاف ليرة سورية. لكن التكلفة المنخفضة لا تعني صلاحيتها للاستخدام، حيث يؤكد أبو فاضل أنها لا تصلح حتى للتنظيف أو سقاية الحيوانات، وتضاف إليها مواد معقمة عند استخدامها للتنظيف. وأضاف ابن قرية عبادان ضاحكاً: “جربت هذا الماء مرة لغسل سيارتي، ولاحظت أن لون الطلاء تغير وأصبح باهتاً عند تعرض السيارة لأشعة الشمس”. وبعد ثماني سنوات قضاها في إدلب، عاد أكرم إلى منزل عائلته في قرية العطالة جنوب مدينة الحسكة. ويقول إن أقاربه استقبلوه بتعليق فيه الكثير من المزاح والكثير من الحقيقة في نفس الوقت: “بشرتك مضيئة لكن انتظري بضعة أيام وستصبح خشنة وداكنة”. ويضيف أن الماء بطعمه ولونه وسعره، أصبح حاضرا في معظم أحاديث أهل القرية، وكأنه موضوع لا يغيب أبدا عن التجمعات اليومية. أما عن تشققات اليدين وجفاف الوجه فيقول إنها لم تعد حالات معزولة، بل أصبحت سمة مشتركة بين سكان قريته والقرى والبلدات المجاورة. تم إنتاج هذا التقرير ضمن ورشة عمل صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة. لمشاهدة المادة المصورة، انقر هنا. https://www.facebook.com/reel/1660391464967176



