فلسطين المحتلة – جيش أعيد تشكيله للخطأ: كيف أدى تفكيك القوة المدرعة إلى عجز 7 أكتوبر؟

اخبار فلسطين3 فبراير 2026آخر تحديث :
فلسطين المحتلة – جيش أعيد تشكيله للخطأ: كيف أدى تفكيك القوة المدرعة إلى عجز 7 أكتوبر؟

وطن نيوز

ترجمة خاصة – شبكة قدس: أحداث 7 تشرين لم تكن مجرد خرق أمني أو فشل استخباراتي مفاجئ، بل كانت لحظة اصطدام مروع بالواقع بالنسبة لجيش أعيد تصميمه ليناسب الأوهام. على مدار عقدين من الزمن، انخرطت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في عملية “الهندسة العكسية” لقدراتها الأرضية. وتم استبدال العقيدة القتالية القائمة على الحسم والمناورة والكتلة المدرعة برهان المقامر على التكنولوجيا العالية وحرب “التحكم عن بعد”. من عقيدة الحسم المدرع إلى منطق الاستنزاف تم بناء جيش الاحتلال تاريخياً كجيش بري تقليدي، جوهره تشكيلات مدرعة كبيرة قادرة على صد الجيوش النظامية، مدعومة بهندسة قتالية كثيفة، ووحدات استطلاع، وقوات فعالة مضادة للدبابات. لكن سلسلة من الخطط متعددة السنوات، أبرزها خطة جدعون في عهد غادي آيزنكوت، أدت إلى تقليص حاد في حجم الألوية، وإغلاق نحو 30 لواء، والتفكيك العملي للبنية الكلاسيكية للجيش البري. ويعتقد الضباط الإسرائيليون أن هذا التحول لم يكن تقنيا فقط: “الجيش لم يتقلص فحسب، بل غيّر هويته”. وتم تقليص عدد الدبابات، وتعديل هيكلية الفصائل من ثلاث دبابات إلى دبابتين فقط، كما تم تخفيض الألوية الاحتياطية بنسب تصل أحياناً إلى 30%. هذا القرار، الذي تم تبريره بحقيقة أن دبابتين حديثتين كانتا تتمتعان بقوة نيران كافية، ألغى عنصر الاحتياطي والمرونة، اللذين يشكلان أساس العمل المدرع في بيئة قتالية غير مؤكدة. دبابة متطورة… بلا قدرة على الصمود. ورغم امتلاك جيش الاحتلال دبابات متطورة وأنظمة حماية فعالة، إلا أن المقاومة في غزة أثبتت أن التفوق التكنولوجي لا يعوض غياب عقيدة متكاملة. فقدت الدبابات، التي أعيد توظيفها لدعم المشاة في القتال الحضري المحدود، قدرتها على العمل كقوة حاسمة مستقلة. ويعترف خبراء عسكريون إسرائيليون بأن تحويل المركبات المدرعة إلى أداة في الحرب قد جردها من مزاياها الأساسية: “المناورة، والكتلة، والاستمرارية”. وظهر هذا العجز بوضوح في مواجهة تكتيكات المقاومة القائمة على الكمائن والاستنزاف وضرب نقاط الضعف، حيث تحولت الدبابات إلى أهداف مكلفة في بيئة مشبعة بالإجراءات المضادة، بينما فشل الجيش في توفير الغطاء الهندسي والاستطلاعي الكافي. الهندسة والاستطلاع: المعرفة المفككة والخبرة المفقودة. لم يقتصر التفكيك على الدروع. وخضع سلاح الهندسة لتحول مماثل، حيث انتقل من وحدات كبيرة مخصصة لاختراق العوائق وفتح المحاور للألوية المدرعة، إلى فرق صغيرة تعمل ضمن «فرق قتالية مشتركة» في الأحياء المزدحمة. وعلى الرغم من أن هذا النموذج كان ناجحًا من الناحية التكتيكية في بعض العمليات، إلا أنه جاء على حساب خسارة المعرفة والقدرات التراكمية الحيوية لحرب برية واسعة النطاق. وينطبق الشيء نفسه على وحدات الاستطلاع والمشاة المدرعة، التي تم إغلاق وحداتها النظامية بين عامي 2020 و2021. ويعترف المسؤولون العسكريون اليوم بأن هذا القرار كان “خطأ استراتيجيا”، لأنه أدى إلى تآكل التدريب، والإضرار بجاهزية الاحتياط، وفقدان العمود الفقري المعرفي الذي كانت تعتمد عليه الوحدات الميدانية. تفكيك المنظومة المضادة للدبابات.. بنتائج كارثية أحد أخطر جوانب التحول كان تخفيض وحدات الصواريخ المضادة للدبابات. وتم إخراج الصواريخ الفعالة من الخدمة واستبدالها بأنظمة موجهة بشكل أساسي للقتال في المناطق الحضرية واستهداف الأفراد. وحدات أراف وماجلان، المصممة تاريخيًا لوقف تقدم مدرعات العدو ونصب الكمائن القاتلة، فقدت تصنيفها الاستراتيجي وتحولت إلى أدوات ثانوية في حرب المدن. ويشير الخبراء الإسرائيليون إلى مفارقة ملحوظة: ففي الوقت الذي أضعف فيه الجيش قدراته المضادة للدبابات، أثبتت المقاومة فعالية هذا السلاح بالذات ضد المدرعات الإسرائيلية، مما عمق الفجوة بين الجانبين في فهم طبيعة الحرب البرية الحديثة. 7 أكتوبر: جاءت لحظة الانكشاف الكامل يوم 7 أكتوبر لتكشف عن السعر الحقيقي لهذه الخيارات؛ فالجيش، الذي تم إنشاؤه لسيناريوهات محدودة، وجد نفسه غير قادر على الانتشار بسرعة، ومثقلاً بنقص القوات، ومحروماً من عمق احتياطي فعال. ويتفق المحللون الإسرائيليون على أن الاعتماد المفرط على القوة الجوية والتكنولوجيا عن بعد لا يمكن أن يعوض انهيار الجيش البري في لحظة الحقيقة. خلاف سياسي وعسكري. وتفاقم هذا العجز في ظل تزايد الخلافات بين المستويين السياسي والعسكري حول أولويات بناء القوة. وبينما دفعت القيادة السياسية إلى خفض الميزانيات الأرضية لصالح التكنولوجيا والاستخبارات، حذر القادة الميدانيون من “بناء جيش أحادي البعد”. هذه التحذيرات، التي وُصفت سابقاً بالمحافظّة، أصبحت الآن موضع إجماع متأخر داخل المؤسسة العسكرية. مستقبل غامض وجيش بلا جاهزية شاملة. ويحذر خبراء إسرائيليون من أن الجيش بشكله الحالي غير مستعد لحرب تقليدية واسعة النطاق سواء في الشمال أو الجنوب. وإذا اندلعت حرب شبيهة بحرب 1973 فإن قدرة الجيش على الصمود والحسم ستكون محدودة. والدرس الرئيسي، كما يعترف المسؤولون العسكريون، هو أن التفوق الجوي والتكنولوجي ليس بديلاً عن جيش بري قوي ومتماسك قادر على القتال على المدى الطويل. وفي نهاية المطاف، أثبتت التجربة القاسية أن «جيش الروبوتات والذكاء الاصطناعي» لا يستطيع حماية الحدود إذا كان يفتقر إلى «جيش صارم» قادر على التشبث بالأرض. كما أن تفكيك القوة المدرعة والهندسة القتالية لم يكن مجرد توفير مالي أو خطة تحديث تقني، بل كان تجريد الجيش من هويته الهجومية ومرونته الدفاعية. تواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية اليوم معضلة وجودية: إما العودة إلى مفاهيم الحرب التقليدية وإعادة بناء الذراع البرية بتكاليف باهظة وفي وقت قياسي، أو الاستمرار في حالة «العجز الاستراتيجي» التي كشف عنها السابع من تشرين الأول (أكتوبر). وأظهر السابع من أكتوبر أن الشاشات المتقدمة يمكنها كشف العدو، لكن الدبابة والمقاتلة والمناورة الأرضية هي وحدها التي تقرر المصير. ومن دون جيش بري متكامل، تظل التكنولوجيا مجرد غلاف لامع لنواة عسكرية أضعفتها النظريات البعيدة عن الواقع الميداني.