اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-31 11:00:00
تحذير وزير الثقافة غسان سلامة من تعرض المواقع الأثرية في الجنوب إلى “خطر جسيم” لم يكن مجرد موقف عابر في سياق الحرب. عندما يتم ذكر الصور وقلعة بوفورت في بيان سياسي أو بيان رسمي، فإن الأمر لم يعد مرتبطا فقط بمبنى حجري أو موقع سياحي، بل بذاكرة بلد بأكمله يقف مرة أخرى أمام اختبار البقاء. القذائف التي سقطت قرب آثار صور، وسقوط قلعة شقيف أرنون بحسب الإعلان الإسرائيلي، تفتح سؤالا أوسع من حدود الضربة العسكرية: هل دخل التراث اللبناني مرحلة جديدة من الخطر، لا تقل قسوة عن مراحل الحروب السابقة، بل أكثر تعقيدا بسبب طبيعة العمليات الإسرائيلية واتساع مساحة الاستهداف؟ الخطر على الآثار في لبنان ليس جديدا. لقد عرف الجنوب على وجه الخصوص، منذ عقود، تكلفة الحروب والاحتلال والقصف والتحصينات العسكرية. لم تكن العديد من المواقع الأثرية هناك خارج نطاق النزاع، بل وجدت نفسها في بعض الأحيان في قلب الجغرافيا العسكرية، بسبب قربها من التلال والممرات والبلدات الحدودية. وقلعة الشقيف مثال واضح على ذلك، موقع تاريخي استراتيجي، لكن بسبب موقعها نفسه، تحولت مرارا وتكرارا إلى نقطة حساسة في الصراعات، وتعرضت للضرر واحتاجت لسنوات من الترميم والحماية، قبل أن تعود إلى الواجهة اليوم مع إعلان إسرائيل سقوطها. أما صور، فهي ليست مدينة عادية في الذاكرة اللبنانية والمتوسطية. وهي مدينة ذات تاريخ فينيقي وروماني وبحري، ومن أبرز المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي. ولذلك، فإن أي تفجير قريب من محيطه الأثري لا يُقرأ على أنه حادث ميداني فقط، بل على أنه تهديد مباشر لموقع يهم لبنان والعالم في الوقت نفسه. لكن التهديد الجديد يختلف في طبيعته عن التهديد القديم. في الماضي، كان الخطر يأتي في كثير من الأحيان من الاحتلال المباشر، أو من الاستخدام العسكري للمواقع، أو من الإهمال، أو من التوسع العمراني العشوائي، أو من ضعف التمويل المخصص للترميم والحراسة. واليوم يضاف نمط جديد من الحرب إلى كل هذا: الغارات الجوية السريعة، والطائرات بدون طيار، والقصف المدفعي، وأوامر الإخلاء واسعة النطاق، والحديث الإسرائيلي عن توسيع العمليات إلى ما وراء ما يسمى “الخط الأصفر”. وهذا يعني أن المواقع الأثرية لم تعد مهددة فقط بالضربة المباشرة، بل أيضاً بما يحيط بها، من اهتزازات الانفجارات والشظايا والحرائق وتدمير الطرق المؤدية إليها، ومنع فرق التنقيب والترميم من الوصول إليها، وتحويل المناطق القريبة منها إلى مساحات عسكرية مفتوحة. في علم حماية التراث، لا يحتاج الموقع الأثري دائمًا إلى ضربة مباشرة حتى يتضرر. وفي بعض الأحيان تكون الضربة القريبة كافية لإضعاف هيكل حجري قديم، أو تفكيك الطبقات الأثرية، أو تسريع انهيارات كانت مؤجلة. والأخطر من ذلك أن يحدث هذا في بلد لا يملك ترف حماية تراثه بشكل كامل. ويواجه لبنان، الذي خرج من انهيار مالي طويل، ويثقل كاهله أزمات مؤسسية وبلدية وبنية تحتية، صعوبة في الحفاظ على مواقعه الأثرية في ظل الظروف العادية. وماذا لو جاءت الحرب لتضع هذه المواقع تحت النار، وتمنع وصول الفرق المتخصصة، وتدفع السكان إلى النزوح، وتحوّل الجنوب إلى منطقة شديدة الخطورة؟ ومن هنا، تبدو صرخة وزارة الثقافة بمثابة محاولة لوضع التراث ضمن معادلة الحماية الدولية، وليس ضمن الهامش الثقافي للحرب. المواقع الأثرية ليست تفصيلاً بعد وقف إطلاق النار، بل هي جزء من النقاش حول معنى الحرب نفسها. اللافت أن الجنوب، الذي يدفع اليوم الثمن الأكبر للتصعيد، هو في حد ذاته خزان للتراث المتنوع: قلاع ومقابر وطرق قديمة ومواقع دينية، وطبقات تاريخية متراكمة من الفينيقيين إلى الرومان إلى العصور الوسطى. لذلك فإن الحديث عن حماية هذه المواقع لا ينبغي أن يبقى مقتصراً على صور والشقيف، رغم رمزيتهما الكبيرة، بل يجب أن يفتح ملفاً أوسع عن كل التراث الجنوبي الذي يتعرض لأضرار مباشرة أو غير مباشرة. ومن ناحية أخرى، لا يمكن فصل هذه المخاوف عن السياق العسكري الحالي. الحديث الإسرائيلي عن تكثيف العمليات وتوسيع نطاق الضربات يعني عملياً أن العديد من المناطق الأثرية قد تصبح قريبة من الخطر، حتى لو لم تكن هدفاً معلناً. وهذا ما يجعل التحرك اللبناني مطلوبا على أكثر من صعيد.

