اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-10 07:38:00
منذ 37 دقيقة تصاعد أعمدة الدخان من جنوب لبنان إثر الغارات الإسرائيلية على لبنان. رويترز: في كل مرة يسقط شهداء من الجيش اللبناني بنيران إسرائيلية، يتجاوز الحدث إطاره العسكري المباشر ليثير تساؤلات سياسية تتعلق بطبيعة المرحلة التي يحاول العدو الإسرائيلي تشكيلها على الحدود الجنوبية. إن الاستهداف المتكرر للمؤسسة العسكرية اللبنانية، وآخرها العملية التي أدت إلى استشهاد عميد وضابط وجندي، لا يبدو منفصلا عن سياق أوسع يتشابك فيه الأمني والسياسي، والميداني والتفاوض، في لحظة إقليمية بالغة التعقيد تشهد حراكاً دبلوماسياً متواصلاً بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية وعبر قنوات تفاوض تستضيفها واشنطن. من هنا لم يعد الحديث يقتصر على أسباب استهداف كل فرد، بل يتمحور حول الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي من وراء تكرار هذه الهجمات. الهجمات، وما إذا كانت تل أبيب تسعى إلى فرض واقع جديد على لبنان يجعل التنسيق الأمني أمراً واقعاً فرضته الوقائع الميدانية قبل أن ترسخه التفاهمات السياسية. الجيش اللبناني ليس مجرد قوة عسكرية منتشرة في الجنوب، بل هو التعبير الرسمي عن سيادة الدولة ووجودها في منطقة تعتبر الأكثر حساسية من حيث مستوى الصراع مع إسرائيل. لذا فإن استهدافه يحمل في طياته رسالة تتجاوز حدود العمل العسكري لتصل إلى جوهر الدور الذي تلعبه الدولة اللبنانية في الجنوب، وكأن إسرائيل تريد القول إن أي ترتيبات أمنية مستقبلية لن تكون ممكنة إلا وفق الشروط التي تضعها، وأن المؤسسة العسكرية اللبنانية مطالبة بالانخراط في نظام أمني جديد ترسمه تل أبيب بما يتوافق مع مصالحها وحساباتها. وتأتي أهمية استهداف الجيش اللبناني لأنه تزامن مع المفاوضات التي كانت تجري في واشنطن. وبدلاً من أن تكون المفاوضات بوابة لخفض التوتر وبناء مناخ الثقة، يبدو أن الساحة الجنوبية تتحول إلى وسيلة ضغط موازية لطاولة المفاوضات. وتدرك إسرائيل أن التفاوض لا يقتصر على ما يقال في القاعات المغلقة، بل يشمل الحقائق والمعادلات المفروضة على الأرض. ومن هذا المنطلق فإن استهداف الجيش قد يكون جزءاً من محاولة تحسين شروط التفاوض وإيصال رسالة مفادها أن أمن الحدود يجب أن يخضع لرؤية إسرائيلية صارمة، وأن أي تفاهمات مستقبلية يجب أن تتضمن آليات أكثر صرامة فيما يتعلق بالمراقبة والسيطرة والتنسيق. فإسرائيل، من جهة، تطالب الجيش اللبناني بأن يكون أكثر تواجداً وفعالية في الجنوب، ومن جهة أخرى، تستهدف عناصره وآلياته وتضعف قدرته على أداء مهامه. ويخفي هذا التناقض الظاهري هدفاً أكثر تعقيداً، وهو محاولة دفع المؤسسة العسكرية إلى تبني قواعد تشغيل تتوافق مع الأولويات الأمنية الإسرائيلية، بحيث يصبح أمن الحدود جزءاً من منظومة ترتيبات تسمح لإسرائيل بالاطمئنان إلى مصالحها الاستراتيجية، ولو بشكل غير مباشر. لكن هذا التوجه يصطدم بعدد من الحقائق اللبنانية. فالجيش اللبناني يبني شرعيته الوطنية على كونه مؤسسة سيادية مستقلة، وأي محاولة لربط دوره بالمتطلبات الأمنية التي تفرضها إسرائيل ستواجه رفضاً سياسياً وشعبياً واسع النطاق. الذاكرة اللبنانية المثقلة بالصراعات والحروب، تجعل من فكرة التنسيق الأمني المباشر مع إسرائيل موضوعا حساسا للغاية، مهما كانت طبيعة العناوين التي قد تطرح تحتها. في موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل البعد السياسي وراء استهداف الضباط والجنود اللبنانيين. تدرك إسرائيل أن الجيش يمثل أحد الركائز القليلة المتبقية لوحدة الدولة اللبنانية، وأن ضرب هذه المؤسسة له آثار تتجاوز الخسائر البشرية إلى محاولة إضعاف صورة الدولة نفسها وإظهارها وكأنها غير قادرة على حماية قواتها أو فرض قواعد الاشتباك التي تحمي أفرادها. لكن التجارب التاريخية أثبتت أن الضغط العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق المكاسب السياسية المرجوة. وكلما ارتفع مستوى الاستهداف، قلت فرص بناء الثقة المطلوبة لنجاح أي مسار تفاوضي. ويظل فرض التنسيق الأمني بالقوة أمراً بالغ الصعوبة في بيئة سياسية معقدة مثل لبنان، حيث ترتبط قضايا السيادة والأمن الوطني بحساسيات داخلية عميقة تتجاوز الحسابات الفنية والعسكرية. ولذلك فإن ما يحدث اليوم على الحدود الجنوبية لا يمكن قراءته فقط من منظور العمليات العسكرية المتفرقة، بل يجب النظر إليه كجزء من صراع أوسع حول شكل المرحلة المقبلة. ويبدو أن إسرائيل تسعى إلى انتزاع مكاسب سياسية وأمنية من خلال الجمع بين الضغط الميداني والتفاوض الدبلوماسي، بينما يحاول لبنان التشبث بمعادلة تقوم على حماية سيادته ومنع تحول المفاوضات إلى بوابة لفرض حقائق جديدة عليه. بين طاولة المفاوضات في واشنطن والدخان المتصاعد من الجنوب، يبقى السؤال مفتوحا: هل تشكل دماء العسكريين اللبنانيين وسيلة ضغط لفرض قواعد أمنية جديدة على لبنان، أم أنها ستؤدي إلى نتيجة عكسية تعزز التمسك بالثوابت الوطنية وترفع مستوى الحذر تجاه أي ترتيبات؟ مستقبلية؟ من المؤكد أن الإجابة على هذا السؤال ستحدد جانباً أساسياً من العلاقة بين الحرب والتفاوض في المرحلة المقبلة. وستكشف أيضاً ما إذا كانت إسرائيل تسعى فعلياً إلى خلق أمنها عبر التفاهمات، أم بفرضها بقوة النار.




