اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-23 12:58:00
لم يكن مشهد بساتين الكرز في رنكوس هذا العام يشبه ما اعتاد عليه الأهالي في سنوات الخير. وبحلول منتصف يونيو/حزيران، وهو التاريخ الذي كانت فيه مئات الأسر تنتظر بدء موسم الحصاد، كان الإنتاج مخيبا للآمال. تكاد تخلو الأغصان من ثمار الكرز، بدلاً من أن تكون مثقلة بالفواكه الحمراء التي تشكل مصدر الرزق الأساسي للعديد من الأسر، في موسم وصفه المزارعون بأنه من الأسوأ منذ سنوات طويلة، بعد أن التهمت الظروف المناخية معظم الإنتاج وأحبطت آمال المزارعين الذين ينتظرون هذا الموسم من عام إلى آخر لسداد ديونهم وتأمين احتياجات أسرهم. عادة ما يبدأ موسم قطف الكرز في منطقة القلمون في منتصف شهر حزيران/يونيو، ويستمر حوالي شهر حسب اختلاف المناطق والأصناف. لكن الإنتاج هذا العام سجل تراجعا حادا قدر المزارعون بنحو 80 بالمئة مقارنة بالمواسم المعتادة، نتيجة موجات الصقيع وتأخر هطول الأمطار تزامنا مع فترة التزهير. أمطار الربيع أجهضت الزهور. وأكد المزارع أبو يامن عاشور من بلدة رنكوس أن الإنتاج لم يتجاوز 10 بالمئة عن معدلاته الطبيعية في معظم البساتين، مشيراً إلى أن المشكلة تؤثر على غالبية المزارعين في المنطقة. يقول عاشور: “موسم الكرز هذا العام لا يتجاوز 10 بالمئة من الإنتاج المعتاد. ومن محادثاتي مع المزارعين تقريبا كلهم لديهم نسبة مماثلة. وأثناء تفتح الأزهار هطلت أمطار أثرت على عملية العقد، ما أدى إلى تساقط نسبة كبيرة من الأزهار وعدم تكوين الثمار”. وأضاف أن المزارعين يعتقدون أن الأمطار التي رافقت مرحلة التزهير كانت السبب الرئيسي للخسارة، موضحا أن محصول التفاح على العكس يبدو جيدا هذا العام، حيث يتمتع بحمل طبيعي ونمو جيد للأشجار. تعتبر بلدة رنكوس التابعة لمنطقة التل بريف دمشق من أبرز مناطق إنتاج كرز القلمون والمعروف بجودته العالية ومكانته المتميزة في الأسواق المحلية والخارجية. وتشير بيانات القطاع الزراعي في ريف دمشق إلى أن زراعة الكرز تشكل نحو 70% من إجمالي المساحات المزروعة بالأشجار المثمرة في المحافظة، حيث يبلغ عدد أشجار الكرز نحو 6.5 مليون شجرة، منها أكثر من 3.7 مليون شجرة مثمرة، موزعة على مساحة تتجاوز 21 ألف هكتار. وتضم منطقة القلمون وحدها نحو 1.9 مليون شجرة كرز، وتشتهر بأصناف عديدة أبرزها “أبو خت” و”الفرعوني” و”النواري” و”الطلياني” و”قلب الطير”. ويتميز كرز القلمون بأنه من المحاصيل البعلية ويعتمد بشكل رئيسي على مياه الأمطار والأسمدة العضوية، ما يمنحه جودة عالية ويجعله من المحاصيل المطلوبة للتصدير. الخسائر المتراكمة على مر السنين. لا تقتصر معاناة مزارعي القلمون على الظروف المناخية التي ضربها الموسم الحالي، بل تمتد إلى الخسائر التي تراكمت خلال السنوات الماضية نتيجة الأضرار التي لحقت بمساحات واسعة من البساتين. ويؤكد عدد من المزارعين أن آلاف الأشجار قُطعت وتقطعت خلال سنوات الحرب وممارسات نظام الأسد الذي سيطر على المنطقة عام 2014، فيما أدى إهمال الأراضي الزراعية ومنع أصحابها من الوصول إليها لفترات طويلة إلى جفاف مساحات واسعة وتوقف إنتاجها. ويقول أبو دياب، أحد مزارعي المنطقة، إن أكثر من عشرين دونما من أراضيه تعرضت لأضرار بالغة بعد سنوات من الإهمال القسري، ما أدى إلى جفاف الأشجار وتراجع إنتاجيتها بشكل شبه كامل. وأضاف: “الفلاح ينتظر الموسم من عام إلى عام، وعندما يفقد محصوله، فإنه يفقد مصدر دخله الأساسي. وتذبل أشجار كثيرة، ولا تقتصر الخسارة على الأرض فقط، بل تمتد إلى حياة الأسرة بأكملها”. الفلاح بين تقلبات الطبيعة وغياب الحماية. في جبال وسهول القلمون، يواصل المزارعون معركة سنوية مع الطبيعة، حيث يتحول القلق من الصقيع والأمطار والأحوال الجوية إلى هاجس دائم يرافقهم من بداية التزهير حتى نهاية الحصاد. ويؤكد المزارعون أن غياب الآليات الفعالة لتعويض الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية يجعلهم الحلقة الأضعف في مواجهة الخسائر، خاصة عندما تضرب موجات الصقيع أو الأمطار المفاجئة مواسمهم الزراعية، فتقضي على جهد عام كامل خلال أيام قليلة. كما يشكو المزارعون من ضعف الدعم الزراعي وارتفاع تكاليف الإنتاج، إضافة إلى تحديات تسويقية تقلل من هوامش ربحهم حتى في المواسم الجيدة. موسم يحتاج إلى إنقاذ. ورغم الصورة القاتمة التي يفرضها الموسم الحالي، لا يزال مزارعو رنكوس والقلمون يتمسكون بالأمل في تعافي بساتينهم خلال السنوات المقبلة، مؤكدين أن حماية هذا القطاع تتطلب دعماً حقيقياً للمزارعين وتعويض المتضررين وتحسين الخدمات الزراعية والتسويقية. ولا يعتبر كرز القلمون مجرد محصول زراعي، بل هو جزء من هوية المنطقة الاقتصادية والاجتماعية، ومصدر رزق لآلاف العائلات التي تنتظر كل عام أن تنتج الأشجار ما يكفي من الثمار لمواجهة أعباء الحياة. لكن موسم 2026 كان مختلفاً، حيث تحولت الثمار المتوقعة إلى خيبة أمل كبيرة، تاركة المزارعين أمام خسائر فادحة وآمال مؤجلة إلى موسم جديد.




